إعادة معتقلي داعش السوريين من العراق التوقيت والأخطار
تمهيد
اتفقت سوريا والعراق، في 13 آب/ أغسطس 2026، على تشكيل فِرَق قضائية مختصة لمتابعة أوضاع السجناء السوريين في العراق، وتبادُل المعلومات والوثائق المتعلقة بملفاتهم. جاء ذلك خلال لقاءات أجراها رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان في دمشق مع الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وكذلك مع وزير العدل السوري مظهر الويس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى السوري.
يبلغ عدد السجناء السوريين في العراق 3245 سجيناً من المتهمين بالانتماء إلى تنظيم داعش، ويشكّلون أكثر من نصف إجمالي السجناء المنقولين من سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سوريا إلى العراق، والبالغ عددهم قرابة 5700 سجين ينتمون إلى أكثر من 40 دولة، ويضم هؤلاء نحو 900 سجين من دول أوروبا وآسيا وأستراليا مجتمعة؛ بينهم على سبيل المثال، 10 سجناء من هولندا، و9 من بريطانيا، و4 من السويد، و3 من فرنسا، و13 من أستراليا، فيما تسجّل ألمانيا العدد الأكبر بين الدول الغربية، بواقع 27 سجيناً.
يأتي الاتفاق "السوري – العراقي" بشأن المعتقلين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم داعش بعد أيام من نشر فريق الدعم التحليلي ومراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي تقريره رقم 38 بشأن تنظيمَيْ داعش والقاعدة والكيانات المرتبطة بهما. وكان مجلس الأمن قد ناقش التقرير في 5 آب/ أغسطس، إلى جانب التقرير نصف السنوي للأمين العامّ للأمم المتحدة حول التهديد الذي يشكّله داعش على السِّلْم والأمن الدولييْنِ.
أولاً: دلالات الاتفاق "السوري – العراقي"
لا يمكن فصل توقيت الاتفاق "السوري – العراقي" بشأن نقل معتقلي تنظيم داعش لديه، عن جملة من التطوُّرات الأمنية والقضائية المتزامنة في المنطقة، والتي أعادت طرح مصير معتقلي التنظيم، والمسؤولية عن احتجازهم ومحاكمتهم، وإمكانية إعادتهم إلى بلدانهم.
قد يُسهم الاتفاق -في حال أفضى عمل الفِرَق القضائية الثنائية إلى نقل المعتقلين السوريين إلى بلادهم- في تقليص الأعباء الأمنية المتوقَّع تزايُدها على السلطات العراقية، التي تعمل بالتوازي على نزع سلاح الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة. وتزداد أهمية ذلك مع تأكيد الولايات المتحدة استكمال سحب قواتها العسكرية من العراق بحلول نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل؛ فمن شأن هذا الانسحاب أن يُحمّل القوات الأمنية العراقية وقوات البيشمركة والأجهزة الأمنية في إقليم كردستان مسؤولية أكبر في مكافحة الإرهاب وتأمين السجون التي تضمّ عناصر التنظيم، وبينهم المعتقلون الذين نُقلوا من سوريا مطلع عام 2026، بعد سيطرة القوات الحكومية السورية على مناطق شمال شرقي البلاد التي كانت خاضعة لقسد.
ويعزّز هذا التفسير تزامُن الاتفاق مع تزايُد المخاوف في إقليم كردستان العراق من التداعيات الأمنية المحتملة للانسحاب الأمريكي، والتي نقلها رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني إلى الرئيس أحمد الشرع خلال زيارته دمشق مطلع آب/ أغسطس الجاري؛ حيث تركّز مخاوف الإقليم على احتمال استفادة تنظيم داعش من الفراغ الناجم عن الانسحاب لإعادة تنظيم صفوفه، لا سيما بعد فرار عدد من عناصره من سجون قسد، ومحاولته إعادة التواصل مع أُسَر عناصره وأبنائهم الذين غادروا مخيم الهول وانتشروا في مناطق مختلفة من سوريا. كما يخشى الإقليم من احتمال تسلُّل بعض هؤلاء عَبْر الحدود "السورية – العراقية"، التي لم تستكمل القوات الحكومية السورية السيطرة عليها حتى الآن.
ويبدو أنّ الجانبين السوري والعراقي بحثا سُبُل معالجة وضع بعض المعتقلين السوريين قبل صدور أحكام نهائية في العراق قد تعيق إمكانية إعادتهم إلى بلادهم، خصوصاً أحكام الإعدام، أو تفرض البحث عن ترتيبات قانونية خاصة بشأنهم، خصوصاً أن رئيس هيئة الإشراف القضائي في العراق، القاضي ليث جبر، قد أوضح بالتزامن مع زيارة الوفد العراقي إلى دمشق، أن اتفاقية نقل السجناء الموقَّعة بين العراق وتركيا تستثني المحكوم عليهم بالإعدام، بحيث تُنفَّذ العقوبة داخل العراق، بينما يمكن نقل المحكوم عليهم بعقوبات أخرى إلى تركيا لإكمال المدة المتبقية، وَفْق مذكرات التعاون ومبدأ المعاملة بالمثل.
ينسجم الاتفاق "السوري – العراقي" مع توجُّه إقليمي لمعالجة العقبات القانونية المرتبطة بنقل السجناء أو إعادتهم إلى بلدانهم؛ حيث قرّر مجلس النواب اللبناني مؤخراً إلغاء عقوبة الإعدام من التشريعات الوطنية والاستعاضة عنها بالسجن المؤبد، ويفتح هذا القرار المجال أمام لبنان لتسلُّم مواطنيه المحتجزين في العراق، بمَن فيهم المحكومون بالإعدام، كما يشمل السوريين المحكومين بالعقوبة نفسها في السجون اللبنانية، من خلال استبدالها بالسجن المؤبد، بما قد يُمهّد لنقلهم إلى سوريا.
كما ينسجم الاتفاق مع التوجه الدولي الداعي إلى إعادة رعايا الدول المحتجَزين على خلفية ارتباطهم بتنظيم داعش إلى بلدانهم؛ حيث دعا الأمين العامّ للأمم المتحدة، في تقريره نصف السنوي، الدول الأعضاء إلى تيسير عودة مواطنيها عودة آمنة وطوعية وكريمة، وفقاً للقانون الدولي، وهي دعوة تحظى بتأييد قويّ من الولايات المتحدة. ويُوفّر هذا التوجه غطاءً سياسياً وقانونياً لتحريك ملفّ المعتقلين، بدلاً من إبقاء مسؤولية احتجازهم ومحاكمتهم على عاتق عدد محدود من الدول.
بالمحصِّلة، يعكس توقيت الاتفاق رغبة العراق في تسوية أوضاع المعتقلين السوريين ونقل أكبر عدد ممكن منهم قبل استكمال محاكماتهم وصدور أحكام نهائية بحقهم. فكلما تقدّمت الإجراءات القضائية، لا سيما في القضايا التي قد تنتهي بأحكام الإعدام، تقلّصت مرونة ترتيبات النقل، وأصبح التوصل إلى معالجة شاملة للملفّ أكثر تعقيداً.
ثانياً: هل تُوافق سوريا على تسلُّم سجناء داعش السوريين من العراق؟
لن تترك الولايات المتحدة مع انسحاب قواتها من العراق نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل، ملفّ سجناء داعش غير العراقيين للأخطار الناجمة عن احتمال سوء إدارة الحكومة العراقية للملفّ أو عدم قدرتها على حراسة أماكن الاحتجاز، والذي قد يترتب عليه هروب بعض عناصر التنظيم. ولذلك يُتوقَّع أن تضغط الولايات المتحدة على جميع الدول التي لديها معتقلون لاستعادتهم إلى أوطانهم، وبينها سوريا، وهي ستنجح في ذلك مع قلّة أعداد السجناء المطلوب استعادتهم، سواء وافقت الدول على إعادتهم إلى أوطانهم مباشرة، أم عملت على نقلهم إلى دول أو أماكن ثالثة وسيطة.
سوريا بدورها ستوافق غالباً تحت الضغط الأمريكي على تسلُّم السجناء السوريين من العراق، وإكمال إجراءات محاكماتهم في المحاكم السورية، وبصدور الأحكام سيكون قسم من السجناء قد قضوا مدة محكوميتهم بالفعل خلال مُدَد اعتقالهم التي قد تكون وصلت إلى قُرابة 10 سنوات، وبذلك يتبقى المئات من السجناء وهم الذين سيُحكم عليها بمدد طويلة، أو بالمؤبد، أو بالإعدام حال بقي هذا الحكم معمولاً به في سوريا، ولم يتم إلغاؤه كما جرى في لبنان.
غيرَ أن موافقة سوريا المتوقَّعة لا تعني أن عملية استعادة السجناء ستكون خالية من الأخطار، في ظلّ استمرار هشاشة الوضع الأمني، ومواجهة الحكومة الجديدة تحديات في إنشاء هيكل عسكري موحَّد، ومنع تسلُّل عناصر إرهابية إلى الأجهزة الأمنية، وفرض سيطرة فعّالة على جميع الأراضي السورية. وذلك وَفْق تقارير الأمم المتحدة، التي تُشير إلى احتفاظ تنظيم داعش بنحو 3 آلاف مقاتل في المنطقة "السورية – العراقية"، يتمركز معظمهم في سوريا، وما تزال باديتها ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى التنظيم.
ويزيد من هذه الأخطار انتقال التنظيم إلى بناء شبكات في مختلف المحافظات السورية، وزرع خلايا نائمة داخل مراكز حضرية، بينها دمشق. وفي الوقت ذاته، إنّ تنفيذ الحكومة خطة لدمج ما لا يقل عن 3500 مقاتل أجنبي في القوات المسلحة الجديدة، تُضيف تحدياً آخر إلى عملية بناء هياكل عسكرية وأمنية موحّدة ومنضبطة، ويزيد حساسية أيّ ملفّ يتصل بعناصر التنظيم وشبكاتهم المحتملة.
في غضون ذلك، من شأن استعادة السجناء السوريين من العراق أن تفرض على دمشق أعباء أمنية وقضائية وسياسية إضافية، تبدأ بتوفير مراكز احتجاز قادرة على منع الفرار أو تنفيذ محاولات لإطلاق سراحهم، وتمتد إلى إجراء المحاكمات وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم. كما قد يستغل تنظيم داعش نقل عناصره إلى سوريا لشنّ عمليات انتقامية رداً على محاكمتهم، أو لتنفيذ هجمات تستهدف السجون بهدف تحريرهم.
وقد تتزايد هذه التحديات إذا أعادت الولايات المتحدة إسناد جزء من ملفّ معتقلي التنظيم إلى قسد، بما يؤدي إلى توزيع المسؤولية عن الملفّ بين الحكومة السورية وقسد، ويزيد تعقيد التنسيق الأمني والقضائي بينهما. كما قد تضع الضغوط الناجمة عن الملفّ أعباءً إضافية على الهياكل العسكرية والأمنية السورية التي ما تزال في طور الدمج، بما يرفع احتمالات حدوث خَلَل أو انقسامات داخلها.
عموماً يُتوقّع أن تُوافق سوريا من حيث المبدأ على تسلُّم مواطنيها المعتقلين في العراق، وذلك تحت الضغط الأمريكي، لكن هذه الموافقة لن تعني إنهاء الملفّ بقدر ما ستؤدي لانتقال مسؤولية احتجاز السجناء ومحاكمتهم وتأمين أماكن وجودهم من العراق إلى سوريا، بما يحمله ذلك من أخطار أمنية وأعباء قانونية وسياسية طويلة الأمد.
ثالثاً: مسؤولية حراسة السجناء السوريين العائدين من العراق
مع موافقة سوريا المتوقَّعة لاستعادة مواطنيها المعتقلين في العراق، ستبرز مسألة تحديد أماكن احتجازهم والجهة التي ستتولى حراستهم وإدارة سجونهم، ويتمثل الخيار الأقرب الذي قد تدفع به الولايات المتحدة في إعادتهم إلى مراكز الاحتجاز الموجودة شمال شرقي سوريا، لا سيما السجون التي كانت تديرها قسد، وما يزال أربعة منها تحت إدارتها وفقاً لتطوُّرات تطبيق اتفاق الاندماج مع الحكومة السورية.
تشمل هذه المراكز سجن الصناعة في حي غويران بمدينة الحسكة، وسجن ديريك في المالكية، وسجن رميلان، وسجن نافكر في القامشلي. وفي المقابل، خرجت أربعة سجون أخرى عن سيطرة قسد، وهي سجن الرقة، وسجن الكسرة في ريف دير الزور الغربي، وسجن الشدادي، وكامب البلغار في الشدادي بريف الحسكة الجنوبي.
كما يُتوقَّع أن تدفع الولايات المتحدة نحو استمرار إسناد مهمة الإدارة والحراسة إلى قسد، التي تتولاها فعلياً في الوقت الراهن، مع إشراف ودعم مباشريْنِ من قوات التحالف الدولي ضدّ داعش، الذي يضمّ 90 دولة وجهة شريكة، وانضمت إليه سوريا قبل أشهر. وقد يحقق هذا الترتيب للولايات المتحدة هدفين رئيسيين:
• ضمان أمن السجون، حيث تعتبر الولايات المتحدة أن قسد أثبتت فعاليتها سابقاً بوصفها شريكاً محلياً للتحالف الدولي ضدّ تنظيم داعش، وأنها تملك عناصر مدربة تدريباً عالياً على أداء مهام الحراسة وإدارة السجون. بالمقابل قد تُبدي واشنطن تحفُّظات على تولّي القوات الحكومية هذه المهمة بصورة كاملة، في ظلّ مخاوفها من احتمال وجود عناصر داخلها تتعاطف مع بعض السجناء أو قد تساعد على فرارهم. وقد تستند في تعزيز هذه المخاوف إلى ما رافَق خروج السجون الأربعة الأخرى عن سيطرة قسد من فرار بعض المحتجَزين أو فقدان السيطرة عليهم.
• الإبقاء على مبرّر أمني لاستمرار قسد ضِمن هيكلية عسكرية وأمنية محدودة؛ حيث يتيح إسناد مهمة حراسة السجون وإدارتها إلى قسد استمرار وجودها بوصفها قوةً ذاتَ وظيفةٍ أمنيةٍ معترَفاً بها، رغم مساعي الحكومة السورية إلى إدماجها الكامل في مؤسسات الدولة وَفْق الاتفاقات الموقَّعة بين الجانبين. كما قد يسمح هذا الخيار باستمرار تخصيص تمويل أمريكي مباشر لقسد تحت بند حراسة معتقلي داعش وإدارة سجونهم، بعيداً عن مؤسسات الحكومة السورية. كما يمنح استمرار هذه المهمة الولايات المتحدة قدرة على التأثير في مسار العلاقة بين الحكومة السورية وقسد، والضغط على دمشق في الملفات الداخلية وقضايا الأمن الإقليمي. كما تُبقي قسد ورقة يمكن لواشنطن استخدامها في إدارة خلافاتها مع تركيا بشأن ملفات الأمن الإقليمي ومستقبل البنية العسكرية والأمنية في شمال شرقي سوريا.
لا تقتصر مسألة تحديد الجهة المسؤولة عن حراسة السجناء العائدين من العراق على الجانب الأمني والفني، فهي ترتبط أيضاً بمستقبل قسد وموقعها داخل مؤسسات الدولة السورية، وقد تتحوّل إدارة السجون إلى إحدى الوظائف التي تبرّر استمرار بنيتها العسكرية والأمنية وتمويلها بصورة مستقلة أو بصورة منظَّمة ولو بوظيفة أمنية داخل مؤسسات الدولة في حال استكمال مسار الاندماج، وبما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً مستمراً في العلاقة بين دمشق وقسد وتركيا.
خُلاصة
من المرجَّح أن تُوافق الحكومة السورية على تسلُّم السجناء السوريين في السجون العراقية، ضِمن خطة وضغوط أمريكية على جميع الدول التي لديها سجناء في العراق، بالتزامن مع استكمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل. غيرَ أن نقل هؤلاء السجناء إلى سوريا سيُحمّل الحكومة أعباءً أمنيةً وقضائيةً وسياسيةً إضافيةً، تتعلق بتأمين أماكن احتجازهم، ومحاكمتهم، ومنع فرارهم أو استهداف السجون التي يُنقلون إليها.
ورغم هذه الأعباء، ينبغي أن تُصرّ الحكومة السورية على بقاء المسؤولية السيادية والأمنية والقضائية عن الملفّ تحت سلطة مؤسسات الدولة، مع الاستفادة من الدعم الفني والأمني الذي يمكن أن يُقدّمه التحالف الدولي لمكافحة داعش. كما ينبغي منع إسناد مهمة إدارة السجون أو حراستها إلى قسد بأيّ صورة كانت مستقلة أو منظمة داخل مؤسسات الدولة؛ حتى لا يتحوّل الملفّ إلى مبرِّر لاستمرار بنيتها المنفصلة عن مؤسسات الدولة أو منحها دوراً منظَّماً داخلها.
ويتطلّب ذلك توزيع السجناء على عدد من السجون الحكومية المهيَّأة أمنياً في مناطق مختلفة من البلاد، وعدم حصرهم في سجون شمال شرقي سوريا، حيث لم تكتمل بعدُ إجراءاتُ اندماج قسد، وما تزال المسؤوليات الأمنية والإدارية موضع تفاوض. ومن شأن هذا الخيار أن يَحُدّ من أخطار تركُّز السجناء في منطقة واحدة، ويمنع استخدام ملفهم ورقةً للتأثير في مسار دمج قسد أو في العلاقة بين الحكومة السورية والولايات المتحدة.