تقرير تحليلي

المشهد السوري في 2019

تمهيد 
شهد عام 2018 تغيرات نوعية على المستويين الميداني والسياسي، وكانت معظم هذه التغيرات نتيجة لمسارات بدأت في الأعوام السابقة. فقد تمكّنت روسيا وإيران من إنهاء وجود المعارضة في المناطق الوسطى والجنوبية، سواء بفعل القصف العنيف والحصار في أرياف دمشق وحمص، أو بفعل التفاهمات السياسية مع الولايات المتحدة في منطقة الجنوب، كما تمكّنت تركيا من السيطرة على عفرين، بفعل التفاهمات السياسية مع واشنطن وموسكو وبالعمليات العسكرية التالية لهذه التفاهمات، فيما عملت إيران على تثبيت تواجدها على الأراضي السورية من خلال التمدد طائفياً واجتماعياً في أرياف دير الزور ودرعا.  
ويعتقد أن عام 2019 سيكون عام الحصاد السياسي لأداء الفاعلين في السنوات السابقة، لكن ذلك لن يتحقق قبل حسم ملف السيطرة على شرق الفرات بعد اكتمال الانسحاب الأمريكي، إن حصل. إذ ستنحسر قائمة الفاعلين الدوليين والإقليميين على الأرض السورية إلى ثلاثة فاعلين، بما سيمكّنهم من تنفيذ اتفاقاتهم بشكل أكثر كفاءة. 
لكن الحصاد السياسي المتوقع هذا العام لن يأخذ شكل الاتفاقات النهائية الحاسمة، بقدر ما سيعمل على رسم خارطة الطريق إلى شكل الحل النهائي الممكن في عام 2021 وما سيليه، إذ ستعمد الأطراف الثلاثة الفاعلة بشكل أساسي، إضافة إلى بقية الفاعلين المؤثرين في المشهد، على الدفع باتجاه الخيارات التي تُحقق مصالحهم في مرحلة الحل، وبناء التحالفات المحلية والدولية التي تقود إلى ذلك. 
وبشكل عام، فإنّ عام 2019 سيكون وفقاً للمعطيات الحالية العام الأقل دموية من أي عام مضى منذ 2011، كما ستغيب فيه إلى حد كبير أشكال المبادرات الدولية للحل، وسيزداد فيه ضعف مؤسسات المعارضة السياسية، وتنتعش فيه بالمقابل مبادرات وأنشطة إعادة تأهيل النظام، وإن كان هذا المسار قد يستغرق تحقيقه فترة أبعد من نهاية عام 2019. 
ويحاول هذا التقرير قراءة المشهد السوري في عام 2019، وبناء شكله المتوقع وفقاً للمعطيات الحالية والمسارات التي اتخذتها هذه المعطيات خلال السنوات الماضية. 

أولاً: المشهد السياسي
ساهم الإعلان الأمريكي نهاية عام 2018 عن نية واشنطن سحب قواتها من سورية في الحد من فرص مسار جنيف في العودة إلى الحياة من جديد، وهو المسار الذي دخل حالة وفاة سريرية منذ أكثر من عامين. ولا تظهر على المدى القصير والمتوسط أيّة مؤشرات على وجود رغبة لدى المجتمع الدولي في تحريك هذا المسار من جديد. 
ويعزز انتهاءُ مسار جنيف من فرص ودور مسار الأستانة، والذي يبدو أنه سيأخذ طابعاً سياسياً بشكل أكبر في المرحلة المقبلة، وستتعزّز قدرته على فرض نتائج عملية على الأرض، نتيجة لتوسّع صلاحيات الرعاة الأساسيين للمسار، بعد الانسحاب الأمريكي، وما سيصاحبه –عندما يتم بشكل كلي- من انسحاب بقية الفاعلين المشاركين في قوات التحالف. 
ويعتقد أن النصف الأول من عام 2019 سيشهد ولادة اللجنة الدستورية، والتي ستأخذ شكلاً توافقياً بين الرعاة الثلاثة لمسار الأستانة، وبشكل خاص بين تركيا وروسيا، حيث لا تُبدي إيران الكثير من الاهتمام باللجنة وبمسار تعديل الدستور. إلا أن رعاة اللجنة الدستورية سيعملون على الأخذ ببعض مقترحات الأمم المتحدة، دون أن يلتزموا تماماً بمحدداتها، إذ أن الانسحاب الأمريكي سيخفف من قدرة الأمم المتحدة على الضغط لتشكيل اللجنة وفقاً للمعايير التي طرحها المبعوث الأممي السابق ستيفان ديمستورا.  
إعادة تأهيل النظام
شهد الربع الأخير من عام 2018 اختراقات مهمة بالنسبة للنظام السوري في مجال رفع الحصار الدبلوماسي والسياسي المفروض عليه عربياً ودولياً منذ عام 2011. حيث افتتح وزير الخارجية العراقي مسلسل فك العزلة بزيارة إلى دمشق، ثم جاءت زيارة الرئيس السوداني في النصف الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر لتمثّل أرفع زيارة لمسؤول عربي إلى دمشق خلال السنوات الثمان الماضية، وتلى الزيارة إعادة افتتاح للسفارة الإماراتية، وإعلان بحريني باستمرار العمل بسفارة المنامة في دمشق. 
ويُتوقع أن يشهد النصف الأول من عام 2019 عودة معظم السفارات العربية إلى دمشق، كما أن هناك احتمالية رفع للعقوبات السياسية والاقتصادية المفروضة عربياً على دمشق خلال القمة العربية المقبلة في تونس. وترتبط هذه الاحتمالية بعاملين أساسيين، وهما ما يعطل هذا المسار حتى الآن، أولهما الموافقة الأمريكية، والتي لن تتم قبل الحصول على ثمن سياسي مقابل من موسكو، وثانيها موافقة الدول العربية الأساسية، وخاصة السعودية، والتي ستسعى للحصول على أثمان سياسية باهظة من النظام مقابل إعادته إلى النظام العربي مجدداً.  
ومن غير المتوقع أن يشهد هذا العام إعادة افتتاح للسفارة الأمريكية والسفارات الأوروبية الرئيسية، كما لا يتوقع أن تقوم أنقرة والدوحة بإعادة افتتاح سفارتيهما هناك هذا العام. ولا تتوفر أية معطيات تشير لاحتمالية رفع أيٍّ من العقوبات الأوروبية أو الأمريكية هذا العام أو حتى في الأعوام المقبلة، بل ربما يشهد هذا العام فرض المزيد منها.  
ورغم ما يحمله مسار إعادة افتتاح السفارات ورفع العقوبات العربية –عندما يكتمل- من إقرار عربي بانتهاء مرحلة استهداف النظام بشكل مباشر، إلا أنها تحمل تهديداً حقيقياً للنظام وداعميه الإيرانيين، فمن جهة، سيعود الفاعلون العرب للعمل الدبلوماسي والأمني من داخل دمشق، وسيتمكنون من مراقبة الأوضاع عن قرب، ومن جهة أخرى فإنّ النظام سيضطر إلى منح الدول العربية الفاعلة أثماناً باهظة، وقد لا يكون قادراً في الوقت الراهن على تقديمها أصلاً. 
المعارضة السياسية
أدّت المعطيات الميدانية التي شهدتها سورية منذ التدخل الروسي إلى تغير في التوازنات العسكرية والسياسية في سورية، إذ أصبحت روسيا مهيمنة بشكل كبير على الملف السوري برمته، إلى جانب كل من تركيا وإيران كفاعلين إقليميين مؤثرين. 
وتَوازى هذا التغيّرُ في المشهد الميداني والسياسي في سورية مع تزايد الرغبة الأمريكية بالانسحاب العسكري والسياسي من المشهد السوري، الأمر الذي أضعف دور المجتمع الدولي وحضوره في مسارات الحل. 
وانعكست هذه المعادلات بشكل واضح على المعارضة السياسية، والتي استندت بشكل كامل تقريباً إلى الدعم الدولي والإقليمي، خاصة وأنها تملك أصلاً القليل من التأثير على المجريات الميدانية في المناطق الخارجة عن سيطرة المعارضة. حيث فشلت هيئة التفاوض السورية في حضور أي جلسة تفاوض مع النظام منذ تأسيسها، وانحسر دور الإئتلاف الوطني بشكل متزايد، حتى أصبح دوره مقتصراً على إصدار البيانات، والتي لم تعد هي الأخرى تحظى بالتغطية الإعلامية!. 
ويعتقد أن عام 2019 سيشهد انحساراً متزايداً لكيانات المعارضة السياسية، والتي ستجد نفسها في بيئة هي الأسوأ منذ عام 2011، فإضافة لانحسار الدعم المادي والسياسي الذي كانت تحصل عليها أصلاً، ستجد هذه الكيانات نفسها في مواجهة خيارات صعبة حتى في مجال التعاطي الإعلامي مع الخيارات السياسية الممكنة لداعميها الإقليميين. 
ويُمكن للمعارضة السياسية أن تحدّ من خسائرها إن هي استطاعت تنفيذ مراجعة حقيقية وشاملة لأدائها السابق، وتمكنت من إجراء تقدير واقعي للموقف الحالي، وراجعت بناء عليه خطابها وسياساتها للمرحلة المقبلة. 
ويعتقد أن عام 2019 سيشهد الوفاة النهائية لمسار جنيف، وبالمقابل صعود مسار الأستانة ومعه اللجنة الدستورية، وهو ما يصب لصالح القوى المشاركة في هذا المسار أصلاً، سواء من المعارضة المقيمة في تركيا أو المجموعات الأخرى المحسوبة على موسكو أو أطراف دولية وإقليمية أخرى. 
وبناء على قراءة المشهد الحالي، يُعتقد أن بعض المجموعات المعارضة سوف تقوم خلال هذا العام بفتح قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة مع النظام السوري، سواء بتقدير ذاتي للمعطيات السياسية، أو بدفع من قوى إقليمية ودولية. 
الإدارة الكردية
أدّى الإعلان الأمريكي نهاية العام الماضي عن نية واشنطن الانسحاب من سورية إلى خلق حالة إرباك كاملة في المشهد السوري، بل وحتى حالة إرباك داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، والتي يبدو أنها لم تتوقع القرار، أو على الأقل توقيته وسرعة تنفيذه. 
ورغم تأكيد الرئيس الأمريكي عن نيته تنفيذ الانسحاب خلال شهر، قبل أن يُمدّد المهلة إلى أربعة أشهر، فإنّ من الممكن أن تأخذ عملية الانسحاب فترة أطول، وربما لا تتم بشكل كامل قبل نهاية العام، إذ يُعرف عن الرئيس ترامب قدرته على طرح الحلول القصوى قبل الدخول في عمليات تفاوض مفتوحة على كل الخيارات. ولذا فإنّ قرار تأجيل أو تبطيء الانسحاب الأمريكي ينبغي أن يبقى خياراً مفتوحاً إلى حين انسحاب الجندي الأمريكي الأخير من سورية. 
وفي حالة الانسحاب الكامل، فإنّ شكل المشهد الميداني سيتحدد أساساً بناء على عمليات التفاوض الجارية الآن بين العديد من العواصم، وخاصة واشنطن وموسكو وأنقرة، والتي ستتفق فيما بينها على تقاسم التَرِكة الأمريكية. 
وبغض النظر عن الشكل الذي ستتم فيه عملية التقاسم، فإنّ حزب الاتحاد الديموقراطي سيكون الخاسر الأكبر في المشهد السياسي، إذ سيصبح في الغالب بين خياري الخضوع للنظام أو تركيا، وفي كلا الخيارين فإنّ الحزب ومؤسساته سيكونون في تموضع مختلف تماماً في نهاية العام، وربما يشهد العام نهاية لكامل المشروع الكردي الذي أعلن بشكل رسمي في عام 2012. 

ثانياً: المشهد الميداني 
يمثّل الواقع الميداني عاملاً رئيسياً في تقدير الموقف السياسي في المشهد السوري، ولذا فإنّ قراءة معطيات السيطرة على الأرض تعطي صورة أوضح للمسار السياسي المتوقع. 
شرق الفرات
لا يمكن توقع مصير شرق الفرات قبل وصول المفاوضات الجارية بين الأطراف المعنية إلى نتائج واضحة، وهو ما قد يستغرق حتى نهاية الربع الأول من هذا العام. 
وبكل الأحوال، فإنّ قراءة المعطيات الحالية تؤشّر إلى إمكانية حصول أنقرة على منطقة نفوذ على طول الشريط الحدودي مع سورية، ويمكن أن يكون الشريط بعمق 10-15 كم، فيما ستكون بقية المناطق تحت النفوذ الروسي. 
وتمثّل مدينة منبج نقطة تفاوض إشكالية، إذ تسعى أنقرة للسيطرة عليها وفقاً لنموذج عفرين، إلا أن التفاوض مع واشنطن وموسكو قد يفضي إلى سيطرة جزئية، من خلال نظام حكم محلي، تشارك فيه قوى سورية مدعومة من تركيا إلى جانب قوى محلية قريبة من حزب الاتحاد الديموقراطي.
ويعتقد أن هذا العام سيشهد نهاية لسيطرة داعش على الأرض السورية، والتي بلغت في بداية عام 2019 أقل من 1.7%. لكن انتهاء منطقة السيطرة لا يعني نهاية التنظيم، والذي يتوقع أن ينتقل بعض عناصره إلى مرحلة العمل ضمن مجموعات صغيرة، وخاصة في مناطق المعارضة، ليحاولوا من هناك تأسيس نقاط انطلاق لهم، مستفيدين من وجود مجموعات متعاطفة معهم في إدلب خاصة.

الشمال السوري
بقيت إدلب (وما يتصل بها من ريف حلب الغربي وريف اللاذقية وريف حماة الشمالي) خارج دائرة استهداف النظام وحلفائه حتى الآن بفضل التوافقات التركية-الروسية. ويُعتقد أن هذا الوضع سيستمر على حاله حتى نهاية عام 2019. 
وعلى المستوى الداخلي، سوف تبقى هيئة تحرير الشام القوة الفاعلة في إدلب الكبرى، وسوف تستمر في استهداف المكونات الأخرى، لتحاول مع نهاية العام أن تكون الفاعل المطلق في كافة مناطق إدلب الكبرى، بما يساعدها على فرض شروطها للحل بشكل أقوى. 
ويمكن أن يشهد هذا العام افتتاحاً للطريق الدولي المار في إدلب، إلا أن ذلك لن يكون في مرحلة مبكرة، إذ يحتاج إلى الكثير من الترتيبات الفنية بين الطرفين الروسي والتركي، كما يحتاج إلى توافقات تركية مع الهيئة، خاصة بعد سيطرتها في معارك بداية هذا العام على كامل الطريق المار في ريف حلب وإدلب.  
أما بالنسبة لمناطق درع الفرات وغصن الزيتون فلا يبدو على المدى المنظور ما يُشير إلى إمكانية حدوث أي تغير في وضعها الميداني أو السياسي. 
وسوف تستمر هذا العام حالة الفوضى الأمنية التي تشهدها مناطق الشمال بأقسامها الثلاثة، وخاصة من جهة أعمال التفجير المستمرة وارتفاع مستوى الجرائم، بالتوازي مع الاقتتال والانقسام الفصائلي. إذ لا يبدو أن هناك أية إجراءات حقيقية من قبل الجهات المسيطرة في تلك المناطق يمكن أن تفضي إلى تغيّر حقيقي في حالة الأمن والاستقرار. 
القوى الأجنبية
في حالة حصول انسحاب أمريكي كامل هذا العام، فإنّه من المتوقع أن تغادر كل القوات الأجنبية التي حضرت إلى سورية تحت مظلة التحالف، وأبرزها القوات البريطانية والفرنسية، والخبراء العسكريون السعوديون والإماراتيون. 
ويعني ذلك أن القوات الأجنبية التي ستبقى في سورية خلال هذا العام، وعلى المدى المتوسط على الأقل هي القوات التابعة للدول الضامنة لمسار الأستانة، بما يعطي زخماً نوعياً لهذا المسار. 
 
ثالثاً: المشهد الإنساني
استمرّ تصاعد عدد اللاجئين والنازحين في سورية خلال عام 2018، رغم بدء مسار عودة اللاجئين إلى سورية من لبنان وتركيا. وتعتمد التوقعات الخاصة بإعداد اللاجئين والنازحين في عام 2019 على عاملين رئيسيين، هما: 
• مسار العمليات الميدانية: حيث يمكن أن تؤدّي عملية عسكرية روسية واسعة على إدلب أو عملية تركية على شرق الفرات إلى رفع أعداد اللاجئين والنازحين، وربما بشكل يزيد عن أعلى معدلات الزيادة خلال الأعوام الثمانية الماضية. 
• آليات التعامل مع برامج إعادة اللاجئين: حيث يؤدّي استمرار التعامل الأمني للنظام مع العائدين إلى الحد بشكل كبير من رغبة اللاجئين بالعودة إلى سورية، رغم الظروف المعيشية السيئة التي يواجهونها، وخاصة في لبنان.  
وبشكل عام، فإنّ المتوقع أن لا يشهد معدل اللجوء والنزوح تغيراً كبيراً عن عام 2018، ما لم تحصل معركة عسكرية واسعة في منطقة إدلب. كما لا يتوقع أن تشهد برامج إعادة اللاجئين اختراقات نوعية، إذ لا تبدو في الأفق أي رغبة من النظام أو من شركائه الدوليين في تأمين ظروف أكثر جذباً للاجئين. 
ويعتقد أن هذا العام سيشهد انخفاضاً في أعداد الضحايا مقارنة مع الأعوام السابقة، إلا في حالة حصول هجوم روسي واسع على إدلب، وهو من غير المتوقع. 
ويتوقع أن يشهد هذا العام تحسناً طفيفاً في الوضع الإنساني في مناطق سيطرة النظام، نتيجة للعودة البطيئة لحركة الاقتصاد هناك، والتي ستترك أثراً محدوداً على وضع السكان. وبالمقابل فإنّ الأوضاع الإنسانية في مناطق سيطرة المعارضة ستشهد تراجعاً محدوداً، نظراً لتباطؤ العملية الاقتصادية من جهة، وتراجع مستوى المعونات الإنسانية من جهة أخرى.