دراسات

الهلال الأحمر السوري... الواقع والالتزام بالمبادئ السبعة

أولاً: مقدمة
تُعدّ منظمة "الهلال الأحمر العربي السوري" أكبر المنظمات الإنسانية الإغاثية في سوريا. وقد تأسست بموجب المرسوم الجمهوري رقم (540) لعام 1942، أي في عهد ما قبل الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وفي عام 1943، تم تسجيل "جمعية الهلال الأحمر السوري" في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حيث لم تكن المنظمة حتى وقتها تحمل صفة عمل رسمية، لوجود "الصليب الأحمر السوري" المنشأ من قبل فرنسا حينها. وفي عام 1945 قامت الحكومة السورية بالاعتراف بشكل رسمي بالهلال الأحمر لينوب عن الصليب الأحمر. وفي عام 1946 اعترفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالهلال الأحمر السوري رسمياً، بموجب التعميم رقم (375) لعام 1946. 
وشهدت المنظمة إعادة تأسيس مرة أخرى عام 1966، من خلال المرسوم (117) الناظم لعملها، بعد 3 سنوات على استيلاء حزب البعث على الحكم في البلاد، وهي الفترة التي شهدت تأميم العديد من منظمات المجتمع المدني واسعة الانتشار، بطريقة مباشرة من خلال سن قوانين تنظم عملها تحت سقف حزب السلطة أو إلحاقها رسمياً بالحزب. 
والمنظمة عضو في الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وفي الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر في جنيف، والأمانة العامة العربية لجمعيات الهلال والصليب الأحمر العربية.
وتحظى المنظمة تقليدياً باحترام وتقدير كبير من السوريين، لكونها المنظمة الأقوى والأسرع على المستوى الوطني في الاستجابة للكوارث العامة.
وتُقدّم منظمةُ الهلال الأحمر العربي السوري نفسها باعتبارها منظمة إنسانية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري ذات شخصية اعتبارية.
وقد ظلت شراكات الأمم المتحدة في مناطق النظام خلال السنوات السبعة الماضية محصورة بالهلال الأحمر السوري، إذ تحتاج المنظمة الدولية إلى شريك محلي قانوني، وتفضل في الوقت نفسه أن يكون معتمداً من قبل النظام السياسي المعترف به دولياً، وهو الشرط الذي يحققه الهلال الأحمر بصورة كبيرة، مستفيداً من اسمه وانتمائه العالمي. 

ولم تُسجل أي علاقة بين الهلال الأحمر والمعارضة أو المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، فيما عدا محافظة إدلب.
وتحاول هذه الدراسة قراءة أداء المنظمة خلال سنوات الأزمة، وكيف تأثّرت وفقاً للمعطيات السياسية والأمنية التي رافقت الأزمة. وتنتهي الدراسة بناء على المعطيات التي ستقوم باستعراضها إلى دراسة التزام المنظمة بالمبادئ السبعة الناظمة لعملها وعمل كل منظمات الهلال والصليب الأحمر حول العالم. 
وقد استندت هذه الدراسة إلى مقابلات مع عدد من موظفي ومتطوعي المنظمة السابقين والحاليين، إضافة إلى المواد الإخبارية المنشورة من قبل المنظمة نفسها، وبعض الجهات الأخرى. 

 

ثانياً: الهيكلية 
تتألف منظمة الهلال الأحمر ابتداءً من متطوعيها الذين يشكلون في كل محافظة فرع الهلال الأحمر في المحافظة، وهو ما يعني أن للمنظمة (14) فرعاً بعدد المحافظات السورية، التي تشكل وفق آلية معينة في النظام الداخلي سيأتي بيانها. ومركز عام في العاصمة دمشق، وتتبع للفروع (75) شعبة تتوزع على المحافظات.
النظام الداخلي
للهلال الأحمر نظامٌ داخلي ونظامٌ أساسي يفترض أنهما ينْظُمان عمليةَ تشكيل مجالس الإدارة في الفروع ومجلس الإدارة العام للمنظمة ومكتبها التنفيذي (أعلى هيئة تنفيذية). واستطاع هذا النظام أن يكون حَكَماً وفاصلاً في بعض المواقف التي كانت تبْدر فيها سلوكيات تنم عن استبداد بعض الأشخاص في إدارة المنظمة، لكنه فشل في الوقت نفسه في ضمان سلامة العملية الانتخابية الداخلية ونزاهتها، وتجنيب المنظمة تدخلات الأجهزة الأمنية والسلطات النافذة في البلاد، وحماية المبادئ السبعة، خصوصاً بعد عام 2011. وأخيراً وقوع الهرم الإداري في فخ المحسوبيات والفساد والارتهان لمراكز نفوذ يقف خلفها النظام أو بعض مسؤوليه النافذين، كما سيتبين لاحقاً.
الفروع 
يُشكّل "المتطوعون" المنتسبون في المحافظة الواحدة "الهيئةَ العامة" لفرع الهلال الأحمر في المحافظة، وتنتخب الهيئة العامة للفرع "مجلسَ إدارة الفرع"، وذلك بانتخاب 7 مرشحين منهم، وعدد الأصوات هو من يُحدّد رئيس الفرع ونائبه وأمين الصندوق والمناصب الأخرى في مجلس الإدارة، ويتم تعيين مديرٍ للفرع غير منتخب ليساعد مجلس إدارته في الأعمال التنفيذية. 
وينتسب المتطوع إلى الفرع في محافظته من خلال دفع رسم اشتراك قدره (100) ليرة، ويُصبح بمجرد انتسابه عضواً في الهيئة العامة للفرع، لكن لا يحق له الترشح والانتخاب إلا بشروط، وهي أن يدفع رسم (500) ليرة؛ ويَمضي على عضويته في الهيئة العامة (5) سنوات، وأن يبلغ من العمر 30 عاماً.
وينبثق عن الفرع مجموعة لجان ثابتة غير منتخبة، كاللجنة الاجتماعية، واللجنة الإعلامية، ولجنة القانون الدولي الإنساني، ولجنة سيدات الهلال، ولجنة الموارد البشرية. لكن أبرز هذه اللجان وأكبرها هي "لجنة الشباب"، وهي المسؤولة عن عمل المتطوعين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً، وهي اللجنة الوحيدة التي تنتخب من قبل المتطوعين في الفئة العمرية المذكورة، وهؤلاء لا يحق لهم المشاركة في الانتخابات العامة في الفروع إلا بتحقيق الشروط المذكورة آنفاً.
وتتفرّع عن لجنة الشباب أقسامٌ مختصة، وهي أقسام إدارة الكوارث، وقسم الإسعاف، وقسم الدعم النفسي، وقسم الصحة، وقسم البيئة.
المنظمة (الإدارة المركزية)
تتكون الإدارة المركزية من عدّة مستويات إدارية، وهي كما يأتي:
- المستوى الأول: ويضم مجموع مجالس الإدارة في الفروع. وبما أن كل فرع من الفروع الأربعة عشر يضمّ 7 أشخاص في مجلس إدارته، فإن مجموع مجالس الإدارة في جميع المحافظات هو 98، وهم يُشكلون الهيئة العامة للمنظمة، وهو المستوى الإداري الأول في الكيان العام للمنظمة.
- المستوى الثاني: ويتشكل المستوى الإداري الثاني في المنظمة، وهو "مجلس إدارة المنظمة"، بصورة تلقائية من شخصين من كل فرع من الفروع الـ 14، والشخصان محددان سلفاً، وفقاً للنظام الداخلي، بأنهما رئيس مجلس إدارة كل فرع من الفروع الـ 14 ونائبه، ومجموعهم 28، وهو عدد أعضاء مجلس إدارة المنظمة.
- المستوى الثالث: وينتخب أعضاء مجلس الإدارة الـ 28 الذين تفرزهم انتخابات الفروع بصورة تلقائية 5 منهم ليكونوا "المكتب التنفيذي"، وهو المستوى الإداري الثالث في المنظمة، ويعد هذا المكتب أعلى سلطة تنفيذية فيها، وذلك من خلال اجتماعاته الأسبوعية، واتخاذه لجميع القرارات الواقعة في نطاق صلاحياته، وتقديم اقتراحاته إلى مجلس إدارة المنظمة، صاحب السلطة التشريعية، وانتهاء بالقيام بعمليات التواصل داخلياً وخارجياً. 
- الإدارة العامة: يساعد المكتب التنفيذي ورئيسه مدير المنظمة، وهو أصلاً ليس عضواً بالمكتب وغير منتخب، بل يعينه المكتب تعييناً، وتتبع لمدير المنظمة جميع اللجان والأقسام الإدارية المركزية، وهي مماثلة للجان والأقسام الاختصاصية التابعة للفروع. 
- الاجتماعات والانتخابات: وتجتمع الهيئات العامة للفروع، كل في فرعه ومحافظته، وأيضاً الهيئة العامة للمنظمة سنوياً لتقر ميزانية المنظمة، فيما تجرى انتخابات فرعية ومركزية كل 4 سنوات، إلا أن الانتخابات متوقفة منذ انطلاق الاحتجاجات عام 2011 وتطورها إلى صراع متعدد المستويات.
المكتب التنفيذي
رئيس المنظمة الحالي هو المهندس خالد حبوباتي، وهو صهر راتب الشلاح. وحبوباتي هو رجل أعمال، وكان يملك كازينو نادي الشرق الذي أُغلق بعد أشهر من افتتاحه، وكان والده من قبل يملك ثلاثة كازينوهات. ولم يكن سابقاً عضواً في المكتب التنفيذي ولا في مجلس إدارة المنظمة، ولم يكن من فرق الهلال الأحمر أو متطوعيه يوماً. وتم تعيينه في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2016 بقرار من رئيس مجلس الوزراء، عماد خميس، بعد أوامر رسمية لرئيس المنظمة السابق عبد الرحمن عطار بتقديم استقالته، وقد استجاب لها تحت الضغوط. 
أما نائب الرئيس هو الدكتور محمد وليد سنكري، وهو رئيس فرع الهلال في محافظة حلب سابقاً. وأمين الصندوق هي وداد هلال، وأمين السر هو الدكتور معتز أتاسي، وهو رئيس فرع الهلال في محافظة حمص سابقاً، والمدير العام هو أسامة بيطار.
 
ثالثاً: واقع المنظمة داخلياً
نظرياً، يعد النظام الداخلي لمنظمة الهلال الأحمر قوياً ومتماسكاً، وضامناً لحسن سير عمل المنظمة ونشاطها خارجياً، وناظماً للشأن الداخلي بطريقة مدروسة، لكن يشوب هذا النظام بعض الأمور التي ساعدت النظام السوري بعد عام 2011 بالتأثير بشكل أكبر في سير المنظمة. 
1. القبول الأمني
يجب على الأغلب، أن يكون رؤساء الفروع من المقبولين أمنياً، وهذا الأمر ليس حصراً على الهلال الأحمر السوري، إنما يشمل جميع مؤسسات الدولة في سوريا، بسبب سياسة النظام السوري الأمنية المعلومة. وليس صحيحاً أن رؤساء فروع الهلال الأحمر كانوا جميعهم أعضاء في حزب البعث، ومثال ذلك رئيس الفرع السابق عبد الرحمن عطار وقتيبة الخاني. أما المنتمون لعضوية حزب البعث فهم غالباً أشخاص يحاولون كسب رضا النظام السوري عنهم داخل المنظمة، وهناك أسماء عديدة في هذا الشأن ومنهم شعيب شعبان، ومعتز الأتاسي. 
2. التركيبة الديمغرافية
يعكس رؤساء الأفرع ومجالس إدارة الفروع بشكل عام الأغلبية الطائفية والديمغرافية الموجودة بالمحافظة، وقد استفاد النظام من شكل هذه التركيبة في المناطق الموالية له بشكل أكبر، كما استفادت المعارضة بدورها في المناطق المعارضة، إذ شارك الأعضاء بصفاتهم الشخصية في هذه المناطق بتقديم المساعدات الصحية والإنسانية للمحتاجين، الأمر الذي تسبب بمقتلهم أو اعتقالهم، وخاصة في فروع حمص ودرعا وريف دمشق. 
3. المحسوبيات
هناك قسم الموظفين الإداريين الذين يتقاضون أجراً في الهلال الأحمر وهم من أبناء المسؤولين، وذلك طمعاً بالرواتب العالية التي تصرفها المنظمة لموظفيها، ويستطيع أي مسؤول كبير أن يتصل برئيس المنظمة أو رئيس الفرع ويطلب منه تعيين ابنه أو قريبه، من دون المرور بالمراحل المنصوص عليها في النظام الداخلي. 
ومع أن هذا الأمر يختلف من محافظة لأخرى من الناحية النسبية، لكنه أثر على الهلال الأحمر داخلياً من قبل أصحاب النفوذ من المسؤولين في النظام السوري، وقد أدّت هذه المشكلة التي تضاعفت في السنوات الأخيرة إلى دخول عدد ليس بالقليل من الضباط المتقاعدين إلى المنظمة وخاصة للمناصب الإدارية العليا، بالتزامن مع رحيل الكفاءات الطوعي، أكان الاضطراري أو الطوعي، أو حتى الفصل التعسفي، في ظل تعطيل الانتخابات.
4. مراكز النفوذ
ثمّة لوبيات مبنية على أساس عائلي أو طائفي أو مناطقي في معظم المحافظات، تتحكم أحياناً بوجهة عمل فرع المنظمة وقدرته على الاستجابة الإنسانية، ومن ذلك هيمنة عائلة جريدة وعائلة السيد في فرع القنيطرة، وهم أيضاً الذين شكلوا ما يُعرف باللجان الشعبية الموالية للنظام في مناطقهم خلال السنوات الأخيرة.
ويعد (تمام محرز) من الشخصيات التي توصف بالنافذة، وبأنها مركز ثقل في المنظمة. وهو ابن أخ آصف شوكت، ويقول عدد من إداريي المنظمة السابقين الذين تمّت مقابلتهم إن جميع طلباته في المنظمة لا يمكن أن ترد. ويعمل محرز في المنظمة منذ 20 عاماً، وهو حالياً مسؤول عن عمليات المنظمة بشكل عام، ويشرف على فرع إدلب، كما أنه رئيس فرع دمشق، في سابقة في تاريخ الفرع، إذ لم يسبق أن ترأس هذا الفرع شخص من الطائفة العلوية، وكانت الهيمنة فيه سابقاً لبعض الأسر الدمشقية التي ينظر إلى أبنائها على أنهم من أقدم المتطوعين فيها، مثل آل العطار. 
5. الإشراف الأمني
كان دور الأجهزة الأمنية في منظمة الهلال الأحمر يوصف سابقاً بأنه تدخلات تقليدية غير مؤثرة، لكن هذا الأمر تطور بعد عام 2011، حيث بدأت الأجهزة الأمنية تمارس الترهيب والاعتقال التعسفي والملاحقة، عدا عن اختراق عمل المنظمة من خلال العملاء أكانوا متطوعين أو إداريين. 
6. تعطيل النظام الداخلي
توقفت الانتخابات رغم ما كان يشوبها أصلاً من اتهامات بالمحسوبية ومراكز النفوذ والتدخلات الأمنية تحت ذريعة الظروف. وشكل ذلك تعطيلاً صريحاً للنظام الداخلي، ما يعني من وجهةِ نظرٍ قانونيةٍ الطعنَ في شرعية الإدارات المتعاقبة على المنظمة منذ حلول موعد أول استحقاق انتخابي في خضم الأزمة.
ونجم عن تعطيل الانتخابات تعيين أعضاء الفروع من قبل مجلس إدارة المنظمة ومكتبها التنفيذي، بدءاً من عام 2011.
7. فصل المتطوعين بسبب استجابتهم
شهدت السنوات الأخيرة حملة إقصاء وإزاحة لعدد كبير من المتطوعين والموظفين وحتى بعض كبار الإداريين في المنظمة، بسبب رغبة النظام السوري في التأثير والتحكم أكثر بسير عمل الهلال الأحمر، وأيضاً بسبب المواقف المعلنة أو غير المعلنة من الحملة العسكرية التي تشنها قوات النظام ضد المدنيين، وعكست قرارات هؤلاء في الاستجابة للمتضررين سواء بالإسعاف أو بتوزيع المواد الغذائية مواقفهم التي ضاق النظام بها ذرعاً في وقت مبكر، وهو ما استدعى حملة الإقصاء بالتزامن مع حملة تعيينات غير قانونية لأشخاص مقربين من النظام ومعروفين بتوجهاتهم السياسية. 
وأحد أهم المبعدين أو المعزولين بطريقة غير مباشرة هو الدكتور عبد الرحمن العطار، رئيس منظمة الهلال الأحمر السابق، ورجل الأعمال المعروف "توفي يوم 15/02/2018"، وذلك بعدما تبين أنه كان يسمح باستجابة فرق الهلال ونشاطها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وبعد إزاحته، تم تعيين الرئيس الحالي للمنظمة، خالد حبوباتي.
كما تم إبعاد أو تجميد رامي سطوف أمين صندوق المنظمة، ومروان العبد الله مدير المنظمة، والدكتور حازم بقلة أحد أهم أطباء المنظمة، فيما اضطر العديد من الأشخاص للمغادرة من تلقاء أنفسهم بعد تسلم خالد حبوباتي رئاسة المنظمة، من خلال الضغط غير المباشر والإقصاء المتعمد. 
ويعد رائد الطويل أحد أبرز الأمثلة على الممارسات الأمنية بحق متطوعي وموظفي الهلال الأحمر ممن يسمحون لأنفسهم بتجاوز السقف الأمني لنشاطهم. الطويل متطوع قديم في الهلال لأكثر من 18 عاماً، ترك المنظمة عام 2010، ثم عاد إليها مع انطلاق الحراك الشعبي في 2011، واستلم منصب مدير قسم الإسعاف، وكان مسؤولاً عن إقامة نقاط طبية في المناطق التي تحتاجها، ولم يكن يتقيد بالسقف الأمني المعروف وهو الامتناع عن تقديم الإسعاف أو أي نوع من أنواع المساعدات الإنسانية للمتظاهرين وفي مرحلة لاحقة أبناء المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وبعدما تلقى تهديدات متكررة لم يأبه لها، تم اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية في دمشق من مقر الهلال الأحمر في أبو رمانة، ليختفي قسرياً عدة أشهر، وبعد وساطات عدة لمنظمات أممية، وبعد تعرض صحته للخطر واحتمال بتر ساقه، جرى الإفراج عنه بشرط الرحيل إلى لبنان، ومن هناك توجه إلى جنيف حيث يقيم الآن.
أما المتطوعون الصغار أو المتطوعون العاديون فقد كانوا يفصلون بقرارات من مجلس الإدارة. وينقسم المبعدون من هذه الفئة إلى 4 أقسام، وهي: المفصولون بصورة مباشرة، الذين تم وقفهم أو تجميد عملهم فقط، والمُضيَّق عليهم أمنياً بالاعتقال أو الملاحقة الأمنية، والذين غادروا من تلقاء أنفسهم تحت الضغوط ورهبة التضييق الأمني في معظم أنحاء البلاد. 
وكانت التهم التي تُوجَّه إلى هؤلاء عند اتخاذ إجراء بحقهم تنحصر في نقل سلاح بسيارات المنظمة، وإسعاف مسلحين وتوزيع مواد غذائية لذوي المسلحين. وأصبحت الغالبية المطلقة من هؤلاء خارج البلاد.
ويلاحظ أن إدارة الهلال الأحمر امتنعت عن منح بعض المغادرين، أكانوا من المستقيلين أو المفصولين أو المعتقلين حقوقهم المالية والمعنوية، كالرواتب المتأخرة ومكافأة نهاية الخدمة وشهادات الخبرة ورسائل التوصية، وذلك لمنع المغادرين من العمل مع منظمات إغاثية أخرى خارج البلاد أو في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. 
ويُلاحظ أن أغلب متطوعي فروع حماة وريف دمشق وحلب (الريف) غادروا عملهم وباتوا خارج البلاد، ويقدر عدد المغادرين طوعاً أو قسراً بنحو 300 متطوّع.
رابعاً: الدعم والتمويل
تعتمد منظمة الهلال الأحمر السوري في تمويل نشاطاتها ومشاريعها على مصدرين رئيسيين، وهما: أولاً المساعدات الدولية، أكانت من المنظمات الأممية أو الوطنية، وثانياً طابع الهلال الأحمر في سوريا. 
1) المساعدات الدولية
وتشمل قائمة الداعمين بصورة رئيسية الوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر واللجنة الدولية للصليب الأحمر. 
وتستفيد المنظمة أيضاً من بعض الجمعيات الوطنية للصليب والهلال الأحمر، مثل الصليب الأحمر البريطاني والدنماركي والهولندي.
ويموَّل الإسعافُ الأولي في الغالب من اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، فيما تُموَّل مشاريعُ تعزيز الصحة من اليونسيف، والمواد الغذائية من منظمة الغذاء العالمي، والمواد غير الغذائية من المفوضية السامية للاجئين، ويتولى الصليب الأحمر الدنماركي مشاريع الدعم النفسي.
2) طابع الهلال الأحمر
ينصُّ القانون رقم 8 لعام 2004 على إصدار طابع باسم الهلال الأحمر لاستخدامه في بعض المعاملات الرسمية، ويعود 25% من ريعه على منظمة الهلال الأحمر السوري.
وحُدِّدت قيمةُ الطابع لاحقاً بـ 10 ليرات سورية، وتم تعديلها عام 2015 لتصبح 25 ليرة، كما عُدلت نسبة الاقتطاع منها لمصلحة الهلال الأحمر لتصبح 40%.
وبحسب القانون، فإنّ القيمة المتبقية من ثمن الطابع بعد اقتطاع النسبة الخاصة بالهلال الأحمر يتم إنفاقها لدعم أبحاث مرض السرطان.
 
خامساً: استجابة المنظمة خلال الأزمة
تفاوتت استجابة فرق الهلال الأحمر على امتداد البلاد تبعاً للمناطق المستهدفة والمراحل الزمنية التي مر بها الصراع، لكنها اتسمت بالمحدودية في بعض المراحل، والفساد في مراحل متقدمة.
1) مرحلة المظاهرات
مع بداية الاحتجاجات الشعبية في عام 2011، مارست منظمة الهلال الأحمر السوري نشاطها السابق كالمعتاد في معظم المحافظات، لكن فروع اللاذقية وطرطوس وحماة امتنعت عن الاستجابة لنداءات إسعاف المصابين في المظاهرات، بأوامر من رؤساء فروع المنظمة في تلك المحافظات. أما فرعا حلب ودمشق وبعض الفروع الأخرى فقد سجلت استجابة محدودة.
2) مرحلة العمل العسكري
أما بعد انطلاق المعارك وفرض الحصار العسكري على بعض المناطق، فقد تحولت الاستجابة التي قد تصدر عن أفراد من متطوعي الهلال الأحمر أو بعض النقاط الطبية إلى تُهمة يُلاحق مرتكبوها من قبل أجهزة الأمن في مناطق النظام السوري، وقد فُصل بعضهم واعتقل البعض الآخر بموجبها، كما حدث لمأمون خربوط، مسؤول ملف توزيع المواد الغذائية في منطقة جسر الشغور، الذي اعتُقل في عام 2013 وأطلق سراحه بعد أيام إثر توسط رئيس المنظمة عبد الرحمن عطار ومنظمات دولية.
فرع المنظمة في إدلب
مع ظهور مناطق المعارضة منذ عام 2013 كامتداد جغرافي منفصل تماماً عن مناطق سيطرة النظام، أدت سياسة النظام السوري إلى جعل عمل الهلال الأحمر يتركز بشكل كبير على مناطق سيطرته، في حين تراجع عمله بشكل ملحوظ جداً في المناطق الأخرى ومنها التي تخضع للمعارضة السورية وأيضاً تنظيم داعش. 
حيث ظل فرع المنظمة في مدينة إدلب الذي كان يرأسه مأمون خربوط، والشعبتان التابعتان له في معرة النعمان وسلقين يعملون حتى بعدما سيطرة المعارضة على المحافظة، ولم يتعرض الفرع للإغلاق أو التجميد من قبل الإدارة في دمشق، لكنه تعرض لضغوط شديدة من طرفي النظام والفصائل المسلحة المسيطرة على إدلب. 
فمن طرف النظام تراجعت بشكل كبير المساعدات الغذائية والطبية التي كان يحصل عليها من المنظمة وأصبحت شحيحة للغاية، فيما ظلت فصائل جيش الفتح تتعامل مع هذا الفرع بتوجس كبير، ولا تسمح له بتوريد المواد الإغاثية من النظام، وهمت عدة مرات بإغلاقه، لكن الأهالي دافعوا عنه بسبب خدماته التي كان يقدمها لهم على محدوديتها، في حين تلقى في وقت لاحق مساعدات من نظيره التركي، وهو ما جعل الفرع ورئيسه مطلوبين للنظام.
ومن أبرز نشاطات الهلال الأحمر في إدلب فرق التعامل مع القصف الجوي، حيث كان لديه فريق متخصص يتولى انتشال الجثث من تحت الأنقاض بعد تعرض المناطق السكنية للقصف من قبل طيران النظام، وتسليم الجثث لذويهم، وتوثيق العملية برمتها، وصل إلى مرحلة يعطي فيها ذوي القتلى وثيقة تساعدهم في تسيير معاملة وفاة ابنهم في الدوائر الحكومية التابعة للنظام.
واقتصر أداء الهلال الأحمر في إدلب فيما وراء ذلك على الإسعاف الأولي بنقطة طبية مكونة من 7 أطباء، وأنشطة الدعم نفسي والإسعاف الأولي النفسي، والتوعية بتعزيز الصحة، ونقل حالات طبية بحاجة لتعامل طبي متقدم من أماكنها إلى أماكن مختلفة حيث يمكن التعامل معها.
وكان فرع الهلال الأحمر السوري في إدلب يتخذ من فندق كارلتون إدلب مقراً له، لكن الفندق تعرض بداية شباط/ فبراير 2017 إلى قصف لم يُعرف فيما إذا كان جوياً أم صاروخياً، وكان مدير فرع الهلال في إدلب مأمون خربوط في غرفته في الفندق عندما استُهدف بصاروخٍ اخترق المبنى من أعلاه إلى أسفله، ووصل إلى غرفة خربوط الشخصية ما أدى إلى إصابته بجروح طفيفة. وقام رئيس فرع إدلب على إثر الحادثة التي عدها "رسالة له شخصياً" بالاستقالة من منصبه. وربما من أسباب الاستهداف الذي يرجح أنه روسي أنه الفرع الوحيد للهلال الخارج عن سيطرة النظام.
شكل هذا الفرع قضية حساسة للنظام لكونه خارج سيطرته ويقدم الدعم لفئات لا يريد النظام مساعدتها، رغم ضعف الدعم المقدم له أصلاً، وفي الوقت نفسه لم يكن قادراً على إعلان إغلاقه رسمياً ولا فصل رئيسه لأنها ستكون فضيحة في الأوساط الإغاثية الدولية، ومن ثم لم يتلق مأمون خربوط أي طلب رسمي من إدارة الهلال لإغلاق الفرع أو الانسحاب إلى مناطق النظام.
وكان رئيس الفرع مأمون خربوط يصدر بيانات مراراً تدين القصف في محافظة إدلب، وتدعو لتحييد المدنيين، حفاظاً على دور الهلال المحايد في المحافظة، وهو ما كان يزيد من الحرج الذي يتسبب به استمرار هذا الفرع للنظام.
 
 
سادساً: الالتزام بالمبادئ السبعة
تمثّل المبادئ السبعة التي أعلنت في فيينا عام 1965 الرابط بين جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية من جهة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر. وينبغي على كل المنظمات الأعضاء في الاتحاد الالتزام بهذه المبادئ، وهي: الإنسانية، وعدم التحيز، والحياد، والاستقلال، والخدمة التطوعية، والوحدة، والعالمية. 
وبناء على ما سبق استعراضه في هذه الدراسة، سوف نحاول تحديد مدى التزام منظمة الهلال الأحمر السورية بالمبادئ السبعة الحاكمة لعمله. 
وينبغي أن نشير هنا إلى أن معظم المتطوعين الجدد في المنظمة بعد عام 2011 لم يتلقوا تدريباً –كما هو معتاد- على المبادئ السبعة، وقد تُعلل المنظمة هذا التقصير بكون عدد أعضائها لا يتناسب مع حجم الاحتياج الإنساني الذي تضاعف بشكل كبير جداً. 
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدراسة تتناول التزام الهلال الأحمر السوري في فترة ما بعد عام 2011. أما بالنسبة للفترة التي قبله، فيمكن القول إن المنظمة استطاعت الحفاظ نسبياً على المبادئ السبعة، حيث كان تدخل النظام في عملها محدوداً، وبشكل لا يؤثّر على الأداء العام. 
ويمكن حصر الالتزام بالمبادئ السبعة كما يأتي:
1) مبدأ الإنسانية
يُقصد بمبدأ الإنسانية أن يسعى عمل المنظمات الأعضاء إلى حماية الأرواح والصحة لاحترام الإنسان.
ويُظهر استعراض أداء المنظمة خلال السنوات السابقة أن خدماتها تأثرت بسياسة الحكومة، وامتنعت عن تقديم الخدمات لأفراد ومجموعات يحتاجون إليها. 
2) عدم التحيّز 
يُقصد بهذا المبدأ أن تقوم المنظمة بالتعامل مع المحتاجين لخدماتها دون تمييز أو تفرقة بسبب الجنسية أو العرق أو المعتقدات الدينية أو الآراء السياسية. 
ويبدو بشكل جلي من خلال استعراض عمل المنظمة خلال السنوات السبعة الماضية أنها قامت بالتمييز في خدماتها بناء على الآراء السياسية للمستفيدين، وبدا الفرق واضحاً بين المناطق التي تشهد حراكاً معارضاً، أو التي تقع تحت سيطرة المعارضة، وتلك التي لم تشهد مثل هذا الحراك ولم تخرج عن سيطرة النظام. 
وقد سجّل عدد من الفروع صدور أوامر من رئاسات هذه الفروع تتضمّن منع أعضاء الفرع من التدخل في أثناء الاحتجاجات عندما يسقط فيها قتلى وجرحى نتيجة استخدام قوات الأمن للعنف والرصاص الحي. 
3) مبدأ الحياد
يعني هذا المبدأ أن لا تدعم المنظمة أحد الأطراف في النزعات، ولا تتورط في جدال سياسي أو عرقي أو ديني أو أيديولوجي في أي وقت كان. 
وقد سجّل هذا المبدأ انتهاكات واسعة، تمثّلت في تعيين أفراد في مواقع قيادية بناء على توصيات أمنية، ولم يخف هؤلاء اتجاههم السياسي المؤيد للنظام، ومارسوا عمليات إقصاء داخل المنظمة بناء على أسس سياسية، كما يُتهم بعضهم بالعمل مع الأجهزة الأمنية، حيث يقومون بالوشاية بزملائهم وبتقديم تقارير ذات طابع أمني عن مناطق المعارضة التي يقومون بدخولها برفقة الأمم المتحدة. 
ويسجّل للمنظمة أنها قامت على موقعها الرسمي بتوثيق أسماء الفرق والمتطوعين الذين تم اعتقالهم أو قتلهم من قبل قوات الأمن خلال السنوات الثلاثة الأولى من عمرها بصفتهم "شهداء المنظمة"(1) . لكن المنظمة توقّفت عن تحديث القائمة على الموقع منذ نهاية عام 2014 دون إبداء أسبابٍ لهذا الانقطاع.  
4) مبدأ الاستقلالية 
يعني هذا المبدأ أن تحافظ المنظمة على استقلالها، بشكل تكون معه قادرة على التحرك وفقاً لمبادئ الحركة في كل وقت.
وقد عمد النظام السوري إلى التدخل في الشأن الخدمي لعمل الهلال الأحمر السوري، ومن ثم لم يعد تدخل هذا الأخير ضمن الأطر القانونية الدولية، بصفته فقط رديفاً للسلطات المحلية بالشكل المتعارف عليه ضمن المنظمة الدولية، بل أصبح هناك ميول للنظام للتحكم في شقها السوري. 
بالطبع قام النظام السوري بعدة خطوات من أجل ذلك، إذ عمد عام 2012 على تشكيل اللجنة العليا للإغاثة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومهامها التنسيق بين المنظمات الإنسانية العاملة في البلاد ومن ضمنها الهلال الأحمر. 
لاحقاً تم إلغاء دور اللجنة العليا، واستعاض النظام السوري عنها بلجان رئيسية ولجان فرعية تتبع مركز المحافظة الموجودة فيها. كما تم إلغاء دور الإشراف على اللجان من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وتولت وزارة الإدارة المحلية المهمة. 
5) مبدأ الخدمة الطوعية
يُقصد بمبدأ الخدمة الطوعية أن تقوم المنظمة بتقديم خدماتها بشكل طوعي لا يهدف إلى تحقيق الكسب المادي. 
ولم يُسجّل انتهاك واضح لهذا المبدأ. وحتى في حال ثبوت الادعاءات التي تتحدث عن قيام بعض المسؤولين في المنظمة بسرقة بعض المساعدات، إلا أنه لم يظهر ما يثبت أن هذا الأمر تمّ بشكل مؤسسي أبداً. 
6) مبدأ الوحدة
يُقصد بهذا المبدأ أن توجد جمعية واحدة فقط للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر في الدولة. وأن تكون هذه المنظمة مفتوحة للجميع.
أدت سياسة النظام السوري في التعامل مع فروع الهلال الأحمر ضمن المناطق الخارجة عن سيطرته، إلى دخول العديد من منظمات الهلال الأحمر الدولية الأخرى ومنها القطري والكويتي، إذ لم يستجب النظام السوري إلى الطلبات المستمرة من قبل الهلال الأحمر لتوفير الاحتياجات في مناطق سيطرة المعارضة على الرغم من حجمها الكبيرة.
7) مبدأ العالمية
ويُقصد به أن تتمتّع كل الجمعيات الأعضاء في الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بالمساواة وتشترك في المسؤولية. 
ولم يُسجّل انتهاك لهذا المبدأ، الذي يرتبط بالحركة الدولية أكثر مما يرتبط بالجمعيات الوطنية، كمنظمة الهلال الأحمر السوري. 
 
الهوامش: