تقرير تحليلي

حزب الله في سورية ماذا حقق فيها وكيف سيخرج منها؟

مدخل

دخل حزب الله في بداية عام 2012 الحرب السورية إلى جانب قوات الأسد على استحياء، وكان ميالاً إلى إخفاء مشاركته الميدانية في اقتحام المدن والبلدات على ظهر دبابات الأسد، بل وتأخر في إعلان موقف سياسي واضح من الحراك الشعبي، إلى أن تدرّج في موقفه ليعلن اصطفافه السياسي الكامل إلى جانب الأسد، ولاحقاً مشاركته العسكرية في دعمه، وتولّى عملياً مسؤولية برامج الدعاية المؤيدة للنظام في المنطقة العربية. 
وبالنظر إلى أن القرار الاستراتيجي في حزب الله يُتخذ في طهران لا في الضاحية الجنوبية في بيروت؛ فإن الحزب لم يكن يملك خياراً آخر سوى الانخراط في المعركة الميدانية في سورية، وجميع الأهداف التي يمكن رصدها من وراء قرار الدخول إلى سورية هي بالضرورة أهداف إيرانية، بل إن حسابات إيران ودور حزب الله بالنسبة لها كذراع متقدمة لها في منطقة المشرق العربي هي ما أملت على طهران اتخاذ قرار تجنيد كافة قواها غير الإيرانية للمشاركة بصورة مباشرة في الحرب بسورية بهدف منع سقوط النظام وقيام نظام معاد لها، ولم يكن على حزب الله سوى التنفيذ. 
في الآونة الأخيرة تزايدت المؤشرات على قرب انسحاب حزب الله من سورية، لأسباب عديدة. وسيشكّل هذا القرار إن حصل خطوة مؤثرة على مستقبل الحزب، كما كانت المشاركة قبل خمس سنوات تقريباً خطوة مفصلية في تاريخه، وسيكون لهذا الانسحاب انعكاسات كبيرة على الحزب نفسه وعلى حاضنته الشعبية وعلى الوضع في لبنان، كما سيكون له دلالاته الإقليمية بشكل عام. 

التدرج الحذر
لم يتأخر حزب الله اللبناني في تلبية نداء نظام الأسد لمساعدته على مواجهة الانتفاضة الشعبية وهي في مهدها، مدعوماً بقرار إيراني صارم في هذا الصدد، إلا أن عدم رغبته بالإعلان عن هذه المساعدة، بحسب المؤشرات التي ذكرناها قبل قليل، حفاظاً على جزء كبير من شعبيته وعلاقاته التي حصدها من حروبه التي خاضها مع "إسرائيل" جعلته يتدرج على مدى عامين في انخراطه بالحرب السورية على العلن، كما جعلته يتدرّج في روايته لدوافع المشاركة وأسبابها، فقدّم نسخاً مختلفة من هذه الرواية لتناسب تدرجه في إعلان مشاركته.
تطوّرت مشاركة الحزب بشكل تدريجي، فبدأ الحزب في الشهور الأولى مشاركته جنود النظام في حملات القمع للمتظاهرين عبر قناصين بسرية تامة، وظل ينفي وجود أي من عناصره في سورية رغم تواتر الأدلة على ذلك. كما شارك جهازه الإعلامي بقوة في الترويج للروايات المناهضة للحراك الشعبي، وحقق في ذلك نجاحاً أعلى من نجاح جهاز النظام نفسه، حيث أن إعلامييه أكثر قدرة على التعاطي مع بيئة تتمتع بالاختلاف السياسي حد التناقض من إعلاميي النظام الذين لم يُجربوا إلا البيئة الأحادية الشمولية المطلقة. 
وشارك الحزب بعد ذلك في معارك ميدانية بأعداد رمزية، لكن هذه المشاركة توسّعت في عام 2013 عندما شن النظام هجمات منسقة على مدن وبلدات القلمون وريف حمص المحاذي للحدود اللبنانية، وتحوّلت المشاركة الرمزية إلى مشاركة فعلية، وأصبح الإعلان عن قتاله في المعارك ضرورة ملحة، نظراً لأن عناصره سيتولون المهمة الأساسية في بعض تلك المعارك، فلجأ إلى ترويج دعاية تقول بأن هناك قرى في هذه المناطق يسكنها لبنانيون شيعة يتعرّضون للخطر من قبل من يسميهم التكفيريون، ثم انتقل بعدها للحديث عن تدنيس مقامات وقبور آل البيت المدفونين في أنحاء متفرقة من سورية، داعياً عناصره للدفاع عن "العتبات المقدسة"، وهي دعاية شملت جميع المليشيات الشيعية الأجنبية المدارة من قبل إيران، قبل أن تختفي هذه الرواية من الخطاب السياسي في عام 2014، رغم أنها بقيت حاضرة في صفوف الحاضنة الشعبية لغايات حشد المقاتلين وتبرير الخسائر البشرية بينهم. 
تصاعد عدد مقاتلي الحزب في سورية بشكل تدريجي، كما يُعتقد أنه تأرجح صعوداً ونزولاً، حيث كان في أوجه في عامي 2014 و2015، عندما كان النظام السوري في أضعف حالاته قبل التدخل الروسي. أما اليوم فيعتقد أن الحزب لديه ما بين 2000-4000 مقاتل داخل سورية (1). 
ولم يكن خيار الاستمرار في المشاركة الصامتة متاحاً للحزب، لعدّة أسباب، أهمها الخسائر البشرية المتوالية للحزب بالتوازي مع محدودية الحاضنة الشعبية له في بلد صغير أصلاً، وبالتالي فإنّ مشاركته في سورية سوف تتحول لقضية رأي عام، خاصة في ظل انقسام كبير في الوسط السياسي اللبناني تجاه نظام الأسد. كما يُعتقد أن إيران دفعت باتجاه التموضع العلني، بعد اتضاح عدم قدرتها على حسم المعركة خلال أسابيع أو أشهر، وبالتالي دفعت الحزب لتقديم رواية كاملة للمشاركة ودوافعها، بدلاً من السماح للآخرين بصناعة هذه الرواية. 
وشكّل إعلان الحزب لمشاركته العلنية في المعركة، بعد معركة القصير في منتصف عام 2013، تحدّياً مباشراً من الحزب لدول الخليج بشكل خاص، وإعلاناً لتموضع جديد سياسي واستراتيجي للحزب، وإشهاراً لمرحلة جديدة في حياة الحزب لا تشبه ما سبقها منذ تأسيسه في عام 1982. 

دوافع المشاركة
تُشكّل دوافع مشاركة حزب الله في سورية جزءاً من الدوافع الإيرانية لهذه المشاركة. لكن الحزب يمكن أن يستفيد من بعض هذه الدوافع المرتبطة به لتبرير مشاركته داخل صفه الداخلي وبين حاضنته الشعبية. 
ومن أبرز هذه المبررات:
أولاً: أن أية حكومة في دمشق قادرة بالضرورة على تحديد عدد من العناصر في معادلة موازين القوى في الداخل اللبناني، ما ينعكس بشكل مباشر على الحزب الذي نشأ وترعرع بدعم سوري يضاهي الدعم الإيراني.
ثانياً: أن الهوية الطائفية للنظام السوري تعدّ ضمانة نسبية لاستمرار التزام النظام تجاه حزب الله في لبنان، مهما تحسنت علاقاته الدولية. 
ثالثاً: يمثل انهيار نظام الأسد خسارة لخط الإمداد الرئيسي بالنسبة للحزب، حيث تقوم إيران باستخدام الأراضي السورية كمحطة تشغيل وتزويد للحزب، وتملك فيها حرية في التحرّك لا تملكها في لبنان رغم كل إمكانيات الحزب هناك. 
رابعاً: أن المشروع الإيراني، الذي لا يستطيع حزب الله التفكير خارج بوتقته أو المناورة على هوامشه، يقوم على ما يسمى "الهلال الشيعي"، أو التواصل البري بين طهران والبحر المتوسط، وهو ما يعني ضرورة الحفاظ على نظام الأسد، لا سيما أنه في أضعف أحواله يسهل انتزاع بعض التنازلات منه مما لم يكن بالإمكان في زمن قوته.
خامساً: يجعل دعم إيران المباشر والكامل لنظام الأسد، وتبنّيها لمعركة حمايته، معركةَ وجود بالنسبة للمشروع الإيراني، وفي حالة نجاح طهران في تحقيق أهدافها هناك، فإنّ ذلك سيعني بالضرورة نجاحاً لحزب الله، والذي يعمل بأمر "ولي الفقيه" ويموّل بالكامل من طهران، وفقاً لتصريحات الأمين العام للحزب نفسه!.

حساب المكاسب والخسائر
المكاسب

ساعد وجود الحزب عسكرياً في سورية على منع سقوط النظام، وإن لم يكن من الممكن معرفة نسبة هذه المساهمة، لكنه فشل بطبيعة الحال في مساعدة النظام على توسيع سيطرته على الأرض، فعندما بدأ تدخل الحزب بشكل موسع في نهاية عام 2012 كان النظام يُسيطر على أقل من ثلث مساحة الأرض (2)، ولكنه أصبح يُسيطر في نهاية عام 2016 على مساحة أقل من تلك التي كان يُسيطر عليها في 2012 (3).
ومع منتصف عام 2017 سيطر التحالف المؤيد للأسد بشكل شبه كامل على ريف دمشق الغربي حتى الحدود اللبنانية، بما أمّن خطوط إمداد الحزب. وهو ما يمكن للحزب تسويقه باعتباره نجاحاً مباشراً له، رغم أنه لم يكن يُقاتل هناك منفرداً. 
كما وفّرت مشاركة الحزب في الحرب السورية، وخبرته بالأرض وإتقانه للغة المحلية (على خلاف المقاتلين الأجانب الآخرين، بمن فيهم القادمين من العراق) مكاسب سياسية غير محسوبة للحزب، حيث تمكّن من توفير قواعد ثابتة في مناطق سيطرة النظام، وتحوّل من مهمّة تقديم الخدمات القتالية إلى إدارة عمليات الميليشيات الأجنبية وحتى الإشراف على عمل جيش النظام نفسه. 
وأمّنت الحرب فرصة غير مسبوقة لتدريب مقاتلي الحزب. حيث شارك مقاتلو الحزب في عدد كبير من المعارك مختلفة الطبيعة الجغرافية والعسكرية، كما شاركوا في إدارة العمليات الأمنية والمعلوماتية والإعلامية في سورية وخارجها، وقاموا بتقديم التدريب والاستشارة للميليشيات الأجنبية الأخرى وحتى للجيش السوري نفسه، وشاركوا في معارك جنباً إلى جنب مع القوات الإيرانية والروسية بما منحهم خبرة عسكرية على مستوى دولي، وهي جميعاً خبرات لم تتوفر حتى لبقية الميليشيات الأجنبية المشاركة في الحرب السورية، ولم يكن للحزب أن يتحصّل عليها بطبيعة الحال في لبنان (4). 
وعمّق الحزب لبنانياً من هيمنته على أجهزة الدولة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة بفعل الشغور الرئاسي والركود السياسي، مستغلاً الحرب في سورية لاستهداف المكوّن السنّي في الشمال على وجه الخصوص، حيث استخدم الحزب تواجد جبهة النصرة وتنظيم داعش في جرود عرسال والقلمون، وقيامهما باختطاف جنود ومدنيين لبنانيين، من أجل بناء رأي عامٍ مؤيّد لموقفه السياسي تجاه نظام الأسد، وهو ما نجح فيه إلى حد ما، وخاصة في الأوساط الشيعية والمسيحية. 
التكاليف والخسائر
لكن هذه هذه المكاسب كانت بتكلفة باهظة على الحزب وداعميه. وبعض هذه التكاليف آني وقصير المدى، لكن أغلبها سيحمل آثاراً مستقبلية على الحزب ودوره في لبنان والمنطقة. 
ميدانياً، شكّلت الخسائر البشرية أكبر التكاليف المترتبة على الحزب، وتشير بعض التقديرات الدولية إلى أن عدد قتلى الحزب خلال الـ6 سنوات الأخيرة يتراوح بين 2000 و2500 قتيل، عدا عن الجرحى الذين بلغ عددهم حوالي 7000 جريح، وهي أرقام تُمثل ما تمكن المراقبون من خارج الحزب التحقق منه، فيما قد تكون الخسائر الحقيقية أكبر من ذلك (5). ومن بين قتلى الحزب عشرات القادة العسكريين والأمنيين، خاصة المطلوبين منهم للأنتربول الدولي، وعلى رأسهم مصطفى بدر الدين وجهاد مغنية وفادي الجزار وحسن علي جفال، وسمير القنطار.
وأدّت الخسائر البشرية الكبيرة، مقارنة مع حجم الحاضنة الشعبية المحدود بشكل كبير، إلى انخفاض شعبية المشاركة في الحرب السورية بين صفوف هذه الحاضنة، وانعكس ذلك في تخفيض الحزب للاستعراضات العسكرية التي كانت ترافق جنائز قتلاه في عامي 2014 و2015 (6). 
وقد ترك هذا العدد الكبير من القتلى، أثراً عميقاً في صفوف أبناء الحزب، بما استدعى حملة ضخمة من جهازه الإعلامي لبثّ الروح المعنوية في صفوف الجمهور، واستخدام مفرط للرسائل الدينية التي تُشجّعهم على التضحية، بالتوازي مع تعويضات مادية وخدماتية لذوي القتلى.  
واستراتيجياً، خسر الحزب الكثير من شعبيته في الدول العربية، وهي الشعبية التي وصلت إلى أوجها في عام 2006، بدعم من عدّة دول عربية، ومن كل الحركات الإسلامية في المنطقة. ولم يتمكن الحزب خلال كل السنوات السابقة من إنجاز أي عمل عسكري ضد إسرائيل، ولو بشكل محدود، بما قد يساعده على استعادة بعض الشعبية. 
يضاف إلى ما سبق، فإنّ الحزب صُنّف كمنظمة إرهابية من قبل جامعة الدول العربية، وقبلها من قبل مجلس التعاون الخليجي، وشدّدت وزارة الخزانة الأمريكية من عقوباتها تجاهه. ورغم رمزية هذه التصنيفات عموماً، إلا أنّها تشكّل عائقاً أمام الدول الداعمة على وجه الخصوص لتسويق الحزب أو توفير الرعاية له. 

 

هل ينسحب الحزب أو يُسحب من سورية؟

ظهرت في الآونة الأخيرة إرهاصات عديدة لانسحاب حزب الله اللبناني من سورية، وبعضها يتعلق بمصلحة حزب الله نفسه، وبعضها الآخر يتعلق بالمناخ الدولي، لا سيما موقف الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب وحتى مصالح روسيا. 
بالنسبة لحزب الله، فقد بدأ يرسل إشارات نحو لغة تصالحية مع من يصفهم "بالجماعات الإرهابية التكفيرية"، وحتى وصل الأمر بالأمين العام للحزب في خطابه يوم 11/5/2017 إلى مخاطبة مقاتلي فتح الشام (النصرة) بلغة تصالحية، ووجه لهم قوله: "يا شباب لا أفق لمعركتم... فلذلك دعونا نحل هذا المشكل، ... ونحن جاهزون، نحن حزب الله، لأن الحكومة اللبنانية ليست جاهزة بعد لتتكلم مع النظام في سوريا، نحن جاهزون أن نضمن تسوية، مثل كل التسويات التي تحصل، ويمكن التفاوض على الأماكن التي يذهب إليها المسلحون بأسلحتهم الفردية وعائلاتهم كما جرى في أماكن أخرى من تسويات، فلنقفل هذا الملف.." (7).
كما بدأ الأمين العام للحزب، والذي يتولّى بشكل شبه كامل مسؤولية تقديم الرسائل السياسية والإعلامية المعبّرة عن وجهة نظر الحزب، بالحديث عن انتهاء المهام الأمنية والعسكرية التي ذهب الحزب من أجلها إلى سورية.  
ففي خطابه يوم 2/5/2017 قال نصر الله: "أستطيع أن أقول إن الحدود اللبنانية خصوصاً الحدود الشرقية... خرجت من دائرة التهديد العسكري، ..، التهديد العسكري بمعنى لم يعد هناك بلدات ولا قواعد وجبال ولا تلال ولا مواقع في يد الجماعات المسلحة يمكن أن تنطلق منها لتهدد عسكرياً أي بلدة أو منطقة حدودية على امتداد الحدود باحتلال قرية أو باحتلال بلدة أو بالدخول إلى المدينة أو ما شاكل. حتى التهديد الأمني أستطيع أن أقول إنه تراجع بدرجة عالية جداً وكبيرة جداً" (8). 
لكن الإشارة الأولى من قبل الحزب لبدء انسحابه من سورية جاءت في خطاب الأمين العام يوم 11/5/2017، والذي أعلن فيه عن تفكيك مواقع الحزب العسكرية على الحدود السورية اللبنانية "لأنه لم يعد هناك أي داعٍ لتواجدنا هناك"! (9).
وعلى المستوى الدولي، ظهر جلياً أن مقارعة وتحجيم النفوذ الإيراني وحزب الله يشكّل أولوية مطلقة للرئيس ترامب، وقد حض إيران ومليشياتها على الخروج من سورية على وجه التحديد، وشدد العقوبات على قادة الحزب وموارده المالية، ومن المتوقع أن تتحدد جميع مواقفه الحالية والمستقبلية في سورية على ضوء هذه الأولوية، ومن المرجح أن انسحاب الحزب سيشكل إنجازاً سهلاً بالنسبة لترامب سيسعى له بالتأكيد، وصفعة قوية بالنسبة لإيران.   
كما يُعتقد بعد قرابة عامين على التدخل الروسي أن موسكو تسعى لتقليص النفوذ الإيراني لحسابها هي، وهذا ما حدث في أحياء حلب الشرقية التي أجبر القصف الروسي فصائل المعارضة فيها على عقد صفقة للخروج منها، إلا أن المليشيات الإيرانية وكذا السورية لم تتمكن من دخولها، وبدلاً من ذلك، جابت دوريات للشرطية الروسية هذه الأحياء في محاولة لقطف ثمرة التدخل.
وفي أحدث مؤشر على هذه السياسة، نشرت وكالة سبوتنيك الرسمية الروسية عن رئيس الوفد الروسي لمفاوضات أستانا، ألكسندر لافرينتييف قوله بعد توقيع اتفاقية وقف التصعيد أنه "في حال تم النجاح في تحقيق تهدئة مستقرة في مناطق تخفيف التوتر بما في ذلك في الغوطة يمكن التحدث حول انسحاب الفصائل التابعة لإيران". وهو مطلب يعلم بوتين تماماً أنه أمريكي بالدرجة الأولى، ويمكن أن يُغري ترامب على الانخراط في الاتفاق بدلاً من معارضته وفرض مناطق آمنة وفق خطة أخرى تقوم الخارجية الأمريكية والبنتاغون بإعدادها.

انعكاسات الانسحاب المحتمل
من المتوقع أن يؤدي انكفاء حزب الله عن دوره في سورية إلى آثار مزدوجة على وضعه في الداخل اللبناني.
فمن ناحية، سيكون هذا الانسحاب المتوقع ضربة رمزية لهيبته أمام شركائه وخصومه اللبنانيين على حد سواء، وسيفتح الباب ربما أمام مساءلته ولو سياسياً سواء من قبل الرأي العام أو من قبل خصومه، على اعتبار أن انسحابه يعني اعترافاً غير مباشر بعبثية التدخل في سورية، خاصة وأنه سيأتي دون تحقق أهداف الحزب المعلنة!.
كما أن الانسحاب سيؤدي إلى عودة الحزب إلى واجهة الصراعات البينية وتفاقم هذه الصراعات، ما يعني أنه سيضطر للدخول في جبهة جديدة سياسية وإعلامية هذه المرة، قد لا تقل حدّة عن الجبهة السورية الميدانية. كما ستساهم عودته "مكسوراً" من سورية في تأجيج الصراع بينه وبين حركة أمل، والتي تُنازعه على زعامة الطائفة الشيعية، واختارت المحافظة على دور أقرب للحياد فيما يتعلق بالأزمة السورية، ولكن كوادرها محلياً لا يخفون شماتتهم كثيراً بالحزب وخسائره. 
ومن ناحية أخرى سيستعيد حزب الله بانسحابه من سورية بعض توازنه الداخلي الذي فقده نتيجة الانخراط في الحرب السورية بطريقة لم تكن موضع إجماع داخل الحزب، بالإضافة إلى قتل عدد كبير جداً من عناصره وأسر عدد آخر، الأمر الذي أغضب فئة من ذويهم على قيادة الحزب. كما أن انفصاله الفعلي عن الحرب السورية قد يمكنه من افتعال حرب مع إسرائيل يرمم بها شعبيته المنهارة ويُعيد بها جمع حاضنته الغاضبة.
لكن عودة الحزب من المعركة في سورية وبقائه دون معركة مع إسرائيل لفترة طويلة ستُلحق خسائر سياسية كبيرة بالحزب، والذي يبرّر توقفه عن استهداف إسرائيل بانشغاله بحرب من يسميهم "عملاءها" في سورية!. لكن الحرب مع إسرائيل، كما المشاركة في الحرب في سورية، ليست قراراً داخلياً للحزب، وبالتالي فإنّها ترتبط بملفات أخرى أهمّها مسار الاتفاق النووي الإيراني، والدور الذي يمكن لإيران أن تتحصل عليه في سورية في ضوء التفاعلات الدولية والإقليمية، وهي جميعاً معطيات لا يمكن التنبؤ بها في الوقت الراهن. 
وإقليمياً، سيُؤشّر انسحاب الحزب –مهما كانت الأسباب الحقيقية أو المعلنة لذلك- على انتصار للمحور المعارض لوجود الحزب في سورية، وسيُظهر أن إيران لم تتمكن من حماية هذا الوجود، خاصة وأنه يأتي دون أن يتمكن الأسد من استعادة السيطرة على كل سورية، ولا حتى على نصفها، وربما يتزامن هذا الخروج حتى مع وصول القوات التركية إلى ريف دمشق، في إشارة لا تخفى حتى على جمهور الحزب نفسه!..

 

المراجع:

 1 Special Report: Hezbollah gambles all in Syria, Reuters, 26/9/2017
 2 Morris, Loveday, Assad regime 'controls less than a third of Syria', claims former premier, The Independent, 14/8/2012


 3  خارطة النفوذ العسكري ديسمبر/كانون الأول 2016، مركز جسور للدراسات


 4 Marisa Sullivan, Hezbollah in Syria, Under Standing War, Middle East Security Report 19, April 2014

5  Mona Alami, Will Hezbollah remain in Syria forever?, Newsweek, 28/3/2017
6   How the Syrian Civil War Has Transformed Hezbollah, The Nation, 30/3/2017

 
7 النص الكامل لخطاب الأمين العام للحزب، موقع المقاومة الإسلامية في لبنان، 11/5/2017
8 النص الكامل لخطاب الأمين العام للحزب، موقع المقاومة الإسلامية في لبنان، 2/5/2017
9  النص الكامل لخطاب الأمين العام للحزب، موقع المقاومة الإسلامية في لبنان، 11/5/2017