مُترجَمات جسور

لماذا يبكي الإرهابيّون: الممارسات الاجتماعيّة الثقافيّة للمقاتلين الجهاديّين

توماس هيغهامر (Thomas Hegghammer)
ترجمة: حبيب الحاج سالم

محاضرة بول ويلكنسون التذكاريّة، جامعة سانت أندروز، 16 أبريل/ نيسان 2015

تحمل محاضرتي عنواناً مزخرفاً، لكنّها تدور أساساً حول ما يفعله الجهاديّون في أوقات فراغهم. وقبل أن تتسللوا من باب القاعة الخلفيّ وتغرّدوا على تويتر بالقول إنّ هذا "مخيّب للآمال"، دعوني أقول لكم إنّ هذا الموضوع هو أكثر المواضيع التي اشتغلت عليها إثارة للاهتمام على الإطلاق، وهو أهمّ بكثير مما قد يبدو في الظاهر. ورسالتي الأساسيّة اليوم هي أنّه يمكن للأنشطة غير العسكريّة للجماعات الإرهابيّة أن تنير سبلاً جديدة لفهم كيف يفكّر المتطرفون وكيف يتصرفون. وفي واقع الأمر، سأتمادى إلى حدّ الادعاء أن هذا الموضوع هو أحد آخر التخوم الأساسيّة غير المكتشفة في البحث حول الإرهاب، وهو موضوع يستحقّ إفراده ببرنامج بحثيّ جديد. ومع أنّني سأتحدث أساساً حول ثقافة المجموعات الجهاديّة، إلاّ أنّه يمكنكم تطبيق المنظور والمفاهيم التي أقدمها على أيّ صنف من أصناف المجموعات المتمردة. 
سأقسّم حديثي إلى ثلاثة أجزاء أساسيّة: سأشرح في البداية كيف صرت مهتماً بهذه الظاهرة إضافة إلى التدقيق في ماهيتها، ثم سأشرح لماذا هي جديرة بالدراسة وكيف يمكن القيام بذلك، وسأقدم في النهاية بعض نتائج عملي حول الثقافة الجهاديّة. 

خلفيّة الموضوع

أنطلق من مسلّمة مفادها أنّ الحياة العسكريّة لا تقتصر على القتال. انظر إلى أيّ مجموعة مسلحة – أو أيّ جيش تقليديّ- وستجد الكثير من الانتاجات الفنيّة والممارسات الاجتماعيّة التي لا تخدم أيّ هدف عسكريّ واضح. فكّر في النداءات الإيقاعيّة لقوات المارينز الأمريكيّة، وأغاني الثوار اليساريّين، وأوشام النازيّين الجدد. انظر إلى المجموعات الجهاديّة وسترى رجالاً ملتحين يحملون أسلحة كلاشنكوف وهم يُلقون الشِعر، ويناقشون أحلامهم، ويبكون على نحو منتظم. 
لقد استغرقت وقتاً طويلاً لملاحظة وجود هذه الأمور. أنا أدرس المجموعات الجهاديّة منذ ما يقارب خمسة عشر سنة، وقد تناولت في السنوات العشر الأولى أسئلة تقليديّة، على غرار كيف تطوّرت المجموعة الفلانيّة، وماذا كتب المُنظّر الأيديولوجيّ الفلانيّ، ومن انضمّ إلى المجموعة العلانيّة، إلخ. المقصود أنّنا حين ندرس نمطاً من المجموعات لردح من الزمن، فإنّ بعض الأشياء تغدو من تحصيل الحاصل. كنت أعرف أنّ هذه المجموعات تبكي وتقرأ الشعر، لكن ذلك لم يسترع اهتمامي، إذ كان الأمر شبيهاً بالضوضاء في الخلفيّة، وكأنّها أشياء يجب علي طرحها جانباً حتى أنفذ إلى المعلومات الصّلبة بشأن النّاس والوقائع. 
لكن بدا لي في أحد الأيام أنّ هذه الممارسات غير واضحة على الإطلاق؛ بل قل شديدة الغرابة. فقد لاحظتُ وجود تعارض في قيام رجال أشدّاء بأشياء ليّنة، فمن اللافت للنظر مثلاً أنّ أبا مصعب الزرقاوي يُعرف في نفس الوقت بكنيتي "الذباح" و"البكاء". الأمر الثاني والأكثر أهميّة، هو أنّ هذه الأنشطة "الليّنة" تمثل لغزاً كبيراً بالنسبة للعلوم الاجتماعيّة، لأنّها تتحدّى التوقعات حول سلوك تعظيم المنفعة. فالإرهابيّون رجال مُطاردون ولهم موارد محدودة؛ ويجب عليهم قضاء وقتهم في القيام بأشياء "نافعة" على غرار التدريب، وجمع الأموال، أو دراسة العدو. لكنهم رغم ذلك "يضيعون" وقتهم – بل الكثير منه- في أنشطة مثل التي ذكرتها. لذلك بدأت في الانتباه إلى تلك الأشياء، وكلما دققت النظر فيها أكثر، ازدادت وضوحاً. 
لكن حين التجأت إلى الأدبيّات الأكاديميّة لمساعدتي على فهم الأمر، لم أجد الكثير ممّا يُقرأ. فالدراسات حول المجموعات الإرهابيّة تميل إلى التركيز على مواد التمرّد الصلبة أو "الشخصيّات والأحداث الكبرى" في تاريخ الإرهاب، وبذلك أولينا اهتماماً أكبر بكثير بتاريخ الهجمات الإرهابيّة، والبنى التنظيميّة، ومصادر التمويل ممّا أوليناه للجانب الأكثر ليونة في حياة المتمردين. 
توجد بالطبع أدبيّات وافرة حول الأيديولوجيا، لكن إن دققنا النظر فيها سنجد أنّ جُلها يعنى بالأيديولوجيا بصفتها عقيدة، أي مجموعة من الأفكار المنقولة عبر اللغة والمستبطنة من خلال الإدراك. لقد نزع المنخرطون في حقل الدراسات الجهاديّة –ومن ضمنهم محدثكم- إلى درس النصوص، وتشريح منطقها اللاهوتيّ، على أمل اكتشاف ما يُحرّض القراء. وإن لم تستبعد تلك الدراسات أشياء مثل الشعر والموسيقى من مجال الدرس على نحو كليّ، إلاّ أنّ هذه الأمور تلقت بالتأكيد اهتماماً أقلّ من الوثائق العقديّة. لكن للشعر والموسيقى دور أكبر من مجرد إبلاغ العقيدة، أو لنقل أنّه دور مختلف عنه، وإلاّ لماذا يكلّف الناس أنفسهم عناء خلقهما، ولم يكتفوا ببساطة بكتابة نثر مقتضب بدلاً عنهما. فإذا كانت الأناشيد عقيدة في شكل موسيقيّ، فما هو دور الصوت؟ وإذا كان الشعر لاهوتاً بلغة منمّقة، فهل الإيقاع أمر تافه؟ إذاً لا تنحصر الأيديولوجيا في العقيدة.  
لست أوّل من حدس هذا الأمر؛ بل يوجد آخرون. فقد درست مانّي كراونه (Manni Crone)، على سبيل المثال، دور "التكنولوجيّات الجماليّة" في ردكلة المسلمين في الدنمارك. وتحدثت كلوديا دانتشكه (Claudia Dantshke) عن "ثقافة الشباب القائمة على الجهاد" في ألمانيا، والتي تشمل موسيقى ولباساً وأيقونات. وشدد مارك ساجمان (Marc Sageman) وآخرون كثر على أهميّة بُعد "الثقافة المضادة" الجهاديّة في الغرب. لكن هذه الأعمال تتناول الثقافة الجهاديّة كعامل مؤثر في الردكلة؛ ولا تدرس عناصرها التكوينيّة بعمق.   
ولتدقيق الأمر، تنبغي الإشارة إلى دراسات معمّقة لعناصر مخصوصة في الثقافة الجهاديّة. فعلى سبيل المثال، يوجد عمل بنهام سعيد (Behnam Said) حول الأناشيد، وعمل إيان إدغار (Iain Edgar) حول تأويل الحلم الجهاديّ، وعمل إليزابيث كندال (Elisabeth Kendall) حول شعر تنظيم القاعدة. وخارج العالم الجهاديّ بالمعنى الصارم، يوجد عمل يوسف الآغا حول الموسيقى والرقص لدى حزب الله، وكتاب أليكس ستريك فان ليندسخوتن (Lindschoten Alex Strick van) وفيليكس كوهين (Felix Kuehn) حول شعر حركة طالبان، وأعمال أخرى. لكن مع ذلك، لا توجد سوى محاولات معدودة للربط بين دراسة هذه العناصر المتعددة ومن ثمّ بحث الثقافة بوصفها مقولة من مقولات النشاط المتمرد.  
لذلك قررت قبل بضع سنوات تعميق البحث حول هذه المسألة. وبدأت منذ ذلك الحين في جمع المصادر الأوليّة، ومحاورة المقاتلين وقراءة عدد كبير من السير الذاتيّة، وأنا الآن على وشك إنهاء تحرير كتاب حول الثقافة الجهاديّة، كما أحمل في جعبتي عدداً من المخطوطات الأخرى. لكنّي أدركت مبكراً أنّ الثقافة الجهاديّة ميدان أكبر من أن يقدر شخص واحد على تغطيته منفرداً، وذلك سبب من أسباب تأكيدي على الحاجة لجهد جماعيّ في هذا المضمار. 

تعريف الموضوع
قبل أن نمضي قدماً، أحتاج إلى تعريف موضوع حديثي. لقد استخدمت عدداً من المصطلحات المختلفة: "ممارسات اجتماعيّة ثقافيّة"، "ما يفعله الإرهابيّون في أوقات فراغهم"، "ممارسات غير عسكريّة" وغيرها، من الواضح إذاً أنّ الموضوع الذي نتعامل معه مراوغ.  
لقد آثرت استخدام مصطلح "الثقافة الجهاديّة" لأنّه أكثر المصطلحات التي أعرفها ملاءمة، لكنه مع ذلك يحتاج إلى بعض التوضيح، لأنّ مصطلح "ثقافة" نفسه فضفاض وخلافيّ. أنا أعرّف الثقافة الجهاديّة بوصفها منتجات وممارسات تتجاوز وظيفتها خدمة الحاجات العسكريّة الأساسيّة للمجموعات الجهاديّة. ويقترب هذا التعريف ممّا أطلق عليه الأنثروبولوجيّ إدموند ليتش (Edmund Leach) "الزخرفات والزينة غير الضروريّة من الناحيّة التقنيّة". وإليكم المقطع الشهير من دراسته حول شعب كاشان في ميانمار: 
"إذا اتجهت الرغبة نحو زرع الأرز، فمن المحتّم والضروريّ وظيفيّاً إخلاء قطعة أرض وزرع البذور فيها. وإذا ما سيّجت قطعة الأرض وأزيلت منها الأعشاب الضارة من وقت لآخر، فإنّ ذلك سيحسّن بلا شكّ من آفاق إنتاجيّتها. يقوم الكاشانيّون بكلّ هذه الأشياء، وهم بذلك يؤدون أفعالاً تقنيّة بسيطة وذات طابع وظيفيّ. ومع أنّ هذه الأفعال تلبّي "الحاجات الأساسيّة"، إلاّ أنّها أيضاً تتجاوزها [...] حيث تُنمّط أعمال تنظيف الأرض وبذرها وتسييجها ونزع الأعشاب الضارة عنها، وفق أعراف شكليّة تتخللها جميع ضروب الزخرفات والزينة غير الضروريّة من الناحيّة التقنيّة. إنّ تلك الزخرفات والزينة هي ما يجعل الأداء كاشانيّاً وليس مجرّد فعل وظيفيّ. ويسري الأمر ذاته على جميع أنواع الأفعال الوظيفيّة؛ إذ يوجد دائماً عنصر ضروريّ من الناحية الوظيفيّة، ويوجد عنصر آخر هو ببساطة عرف محليّ وزخرفة جماليّة."
دعونا الآن نتجه إلى التفكير في مجموعة متمرّدة. إنّ لها "حاجات أساسيّة" معيّنة، مثل القدرة على استخدام العنف وجمع الموارد الماديّة. ويمكن الإيفاء بهذه الحاجات بالحد الأدنى ودون زخرفة: تتدرّب، تقاتل، تجمع التمويلات، تشتري الأسلحة، تكتب بياناً، تنال قسطاً من النوم، ثم تعيد الأمر ذاته في اليوم الموالي. ولتبسيط الأمر، يمكن القول إنّ هذه الأشياء هي عناصر التمرّد "الضروريّة من الناحية الوظيفيّة" وكلّ ما عداها هو ثقافة. حيث لا يمكن لأيّ مجموعة مقاتلة العمل دون خبرة عسكريّة أو تسليح، لكن يمكنها العمل دون موسيقى أو تأويل الأحلام. يحتاج الجنود إلى ملابس متينة، لكنهم لا يحتاجون ملابس من لون معيّن. قد تحتاج المجموعة إلى إبلاغ أهدافها السياسيّة لأعدائها ومجنديها، لكنها لا تحتاج لفعل ذلك من خلال الشعر. هكذا، يكون اختبار انتماء أمر ما إلى الثقافة الجهاديّة وفقاً للتعريف الذي قدمته هو النظر إلى قيمته الوظيفيّة في الجهد العسكريّ.  
هذا حسن وجيّد، لكن أين تتوقف الثقافة بالضبط ويبدأ الضروريّ من الناحية الوظيفيّة؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال على نحو شافٍ، لكن يمكننا التخصيص أكثر. إنّ أغلب عناصر الثقافة الجهاديّة منتجات أو ممارسات مُلاحظة؛ المنتجات هي مواد على غرار القصائد والأغاني والصور والأفلام، والممارسات هي أفعال غالباً ما تتضمن (وليس دائماً) استهلاك منتوج: إنشاد أغنيّة أو تأدية طقس أو ارتداء ملابس معيّنة أو التحدث حول الأحلام. وتشمل بعض عناصر الثقافة الجهاديّة، على غرار الاحتفالات، عدة منتجات وممارسات.  
ومن المهم ملاحظة أنّه لا يجب أن تكون الأشياء غريبة أو معقّدة حتى تكون ثقافيّة. فعلى الرغم من إشارتي حتى الآن إلى الشعر والموسيقى، إلاّ أنّني لا أسعى إلى تعيين "ثقافة راقية" جهاديّة. فأنا مهتم أيضاً بالأشياء المألوفة والعاديّة، على غرار الطبخ والرياضة، أو نكات الإسلامويّين المُقاتلين، وذلك إلى درجة أنّي كتبت حول عادات الحمّام لديهم. ولو كان الصمت جزءاً من تفاعلهم الاجتماعيّ (وهو ليس كذلك)، لدرسته أيضاً، على الرغم من أنّه، حرفيّاً، لا شيء. 
علاوة على ذلك، لا يجب أن تكون الممارسة مخصوصة بالمجموعات الجهاديّة حتى تكون عنصراً من عناصر الثقافة الجهاديّة. فالجهاديّون يقومون بالكثير من الأشياء التي يقوم بها أيضاً المسلمون غير المُقاتلين، على غرار الصلاة وممارسة الرياضة أو الأكل باليد اليمنى. كما أنّ تقدير الشعر والاهتمام بتأويل الأحلام مسألتان عاديّتان تماماً في العالم المسلم. ما يتميّز به الجهاديّون هو دمجهم المخصوص بين الممارسات، ودلالات منتجاتهم الثقافيّة. 
وكما هو الحال مع أيّ مفهوم، تصبح الأمور ضبابيّة عندما نقارب ظاهرة بينيّة، مثل الأنشطة العسكريّة والعقيدة. ولنأخذ كمثال الجنديّ الذي يعطي سلاحه اسماً ويضعه بجواره عندما ينام، هل ذلك أمر ضروريّ حتى يكون جنديّاً فعالاً؟ ربّما. أو لنأخذ الاعتقاد في أنّ الأحلام نافذة نحو المستقبل: هل ذلك ضروريّ لتبرير الصراع المسلّح؟ لا أدري. وماذا نفعل بالوثائق التي تخلط النثر المقتضب بالشعر المنمّق؟ إنّ هذا بالفعل حقل مفهوميّ غائم. ومع ذلك، يمكنني القول إنّه من الممكن البدء في دراسة الظاهرة الواقعة في مركز المقولة الأقلّ تنازعاً – مثل الشعر والموسيقى- ومن ثمّ شقّ طريقنا نحو التخوم كلّما تطوّر فهمنا أكثر. 

أهميّة الموضوع
لكن لماذا يجب علينا دراسة الثقافة أصلاً؟ السبب الرئيسيّ في رأيي هو تأثيرها على مسائل أساسيّة في السلوك البشريّ. وقد ذكرت آنفا لغز السلوك المكلف (رجال مُطاردون يبدّدون وقتهم في الفنّ). لكن توجد ألغاز أخرى: كيف يتخذ الناس قراراً بالمشاركة في نشاط عالي المخاطر؟ ما هو الدور النسبيّ الذي يلعبه الإدراك والمشاعر في اتخاذ القرار؟ لذلك فإنّ الموضوع يهمّ باحثين من مجموعة واسعة من الاختصاصات، من بينها الدراسات الإسلاميّة، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسيّة، وحتى الاقتصاد السلوكيّ. 
وللموضوع صلة وثيقة بالسياسات أيضاً، لأنّ بإمكانه تقديم إضاءات جديدة حول سبب انضمام الناس وبقائهم ضمن المجموعات المتطرّفة، وسبب صمود بعض المجموعات والحركات لمدة أطول من مثيلاتها. ويمكن أن يتمخض عن ذلك أفكار جديدة حول كيفيّة ثني المجندين الجدد عن قرارهم وإضعاف المجموعات. فإذا اتضح مثلاً أنّ الجذب العاطفيّ يباري الإقناع الإدراكيّ بوصفه آلية تجنيد، فسيكون علينا حينها، على سبيل المثال،  الحطّ من اهتمامنا بالوثائق العقديّة لصالح الفيديوهات والأناشيد. وربما يتوجّب على الحكومات أيضاً خفض استثمارها في محاولة تطوير "سرديّة مضادة" مقنعة إدراكيّاً وتعزيز استثمارها في الرسائل المستهدفة للعواطف. 
وقد تميل السلطات المحليّة إلى تخفيف التركيز على تحسين الوضعيّة الاقتصاديّة للشباب المهدّد بالردكلة لصالح توفير "أنشطة تعويض" تقدّم مكافآت عاطفيّة شبيهة بتلك المكتسبة في التنظيمات الجهاديّة. كما يمكن لمعرفة الثقافة الجهاديّة مساعدة الشرطة على التمييز بين المنتجات والممارسات الراديكاليّة والأرثوذوكسيّة، حيث يجنّبهم ذلك العلامات الإيجابيّة الخادعة. ولإضافة تطبيق شنيع آخر، يمكن لمعرفة الثقافة الجهاديّة مساعدة الجواسيس على اختراق المجموعات الراديكاليّة من خلال جعلهم مقلّدين أكثر براعة. هذه مجرّد مجموعة صغيرة من الأشياء التي يمكننا فعلها من خلال معرفة الثقافة الجهاديّة.

برنامج بحثيّ
في رأيي، يفتح تعيين الثقافة الجهاديّة، كموضوع بحث مهمّ، الباب أمام برنامج بحث جديد يحمل الكثير من خطوط التحقيق المثيرة للاهتمام. وتوجد على الأقلّ مجموعتان كبريان من الأسئلة البحثيّة التي أتمنى أن تثير فضول الباحثين الشبان. 
تتعلق المجموعة الأولى بالوصف، وتنقسم بدورها إلى خطوط تحقيق فرعيّة. أولها سبر المجموعات والعناصر الفرديّة للثقافة الجهاديّة. ما الذي يفعله أعضاء جماعة بوكو حرام في أوقات فراغهم؟ هل يوجد شعر أويغوريّ جهاديّ؟ هل يبكي جميع أعضاء مجموعة جهاديّة ما، أم أنّ قادتها يبكون أكثر؟ وسيسمح لنا وصف أفضل للحالات بسبر الاختلافات المرتبطة بالزمان والمكان. هل تسمع المجموعات المختلفة أنماطاً مختلفة من الأناشيد؟ هل تختلف المنتجات باللغة الأورديّة عن المنتجات باللغة العربيّة؟ كيف تطوّرت الثقافة الجهاديّة منذ الثمانينات؟ وثانيها هو المقارنة مع أنماط أخرى من المجموعات والجماعات. كيف تختلف الثقافة الجهاديّة عن ثقافة المسلمين "السائدة"؟ كيف ينعكس الانقسام السنيّ الشيعيّ في ثقافة المقاتلين؟ ناهيك عن المقارنة مع المقاتلين غير الإسلامويّين، سواء كانوا نازيّين جدداً أو ثواراً يساريّين أو متطرفين يهود أو انفصاليّين باسك أو طوائف قياميّة. 
وتتعلق المجموعة الأساسيّة الثانية بالتفسير، وأقترح مقاربتين مختلفتين للتحقيق. ترتبط المقاربة الأولى بالاعتناء بالاختلافات، أو ما يطلق عليه العلماء الاجتماعيّون التعامل مع الثقافة الجهاديّة بوصفها متغيّراً تابعاً. لماذا، مثلاً، تختلف ثقافات المجموعات الجهاديّة عن بعضها البعض إلى حدّ ما؟ ولماذا تكون طقوس بعض المجموعات أكثر إسهاباً، فتبكي أكثر، أو تستمع إلى الأناشيد أكثر من نظيراتها؟ 
أما المقاربة الثانية، فتتعامل مع الثقافة الجهاديّة بوصفها متغيّراً مستقلاً، وتتساءل حول آثار الثقافة الجهاديّة على الأفراد والمجموعات. وربما يكون أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام هو: ما الذي تفعله الثقافة للجهاديّين؟ لماذا يمضي إرهابيّون مُطاردون وقتهم في الشعر في حين يمكنهم استغلاله للتدرب؟ كيف تؤثر المنتجات والممارسات الثقافيّة على السلوك، وعبر أيّ أليّات؟ وإذا ما كان للثقافة الجهاديّة تأثير على السلوك، فهل يستخدم القادة ثقافة مجموعاتهم أو يرعونها في سبيل منافع استراتيجيّة؟ 

بعض النتائج
ما الذي أوصلني إليه بحثي إلى حد الآن؟ ما الذي يقوم به المدروسون في أوقات فراغهم؟ لسوء الحظّ لا أملك سوى وقت محدود لإلقاء الضوء على بعض الأشياء. 
يجب علي تصدير كلامي بالقول إنّني لم أدرس إلاّ المجموعات الجهاديّة، أي مجموعات مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلاميّة والمقاتلين الأجانب الملتحقين بها، ولم أدرس الميليشيات ذات الطابع الأكثر محليّة مثل طالبان أو حماس أو حزب الله. 
كما يجب عليّ التصريح بأنّني اشتغلت أساساً على المصادر المكتوبة (مثل السير الذاتيّة)، والموادّ السمعيّة البصريّة، إلى جانب حوارات مع مقاتلين سابقين، ولم يتيسّر لي القيام بملاحظة عبر المشاركة مع جماعات على هذا القدر من الراديكاليّة. لكن من حسن الحظّ أن الإنترنت أتاحت عدداً كبير من المصادر الأوليّة شديدة الدقّة التي تسمح بشكل من أشكال "الإثنوغرافيا بالوكالة". 
دعوني أقول أيضاً إنّ النتائج لا تعود لي وحدي؛ فقد تعلمت الكثير من المساهمين الآخرين في الجزء الأوّل من الكتاب الذي ذكرته سابقاً، وهم دافيد كوك (David Cook)، إيان إدغار (Iain Edgar)، برنارد هيكل، نيللي لحود، أفشون أوستوفار (Afshon Ostovar)، جوناثان بيسلاك (Jonathan Pieslak)، وآن ستينرسن (Stenersen Anne). 
الأمر الأوّل الملاحظ هو أنّ الجهاديّين يقضون بالفعل كثيراً من الوقت في الأنشطة غير العسكريّة. ويتفاوت الأمر وفقاً للسياق طبعاً؛ حيث توجد في مخيمات التدريب الريفيّة الكثير من الأنشطة "المفيدة"، في حين أنّها محدودة في المنازل الحضريّة الآمنة. 
ولا يمكنني قياس تلك الأنشطة، لكن يبدو أنّ أغلب الأنشطة غير العسكريّة هي ممارسات تعبديّة أرثوذوكسية: الصلاة، الذِكر، الوضوء، تلاوة القرآن، وما شابهها. ولم أجد ما يسند الادّعاء الذي نسمعه أحياناً من أنّ الجهاديّين انتهازيّون منافقون لا يأبهون حقّاً بالدين. ربما لم يكن بعضهم يمارس الشعائر الدينيّة قبل انضمامهم، لكن يبدو أنّهم ما إن ينظموا حتى يصيرون مهتمين بدقائق الشعائر. كذلك، لا تبدو المجموعات الجهاديّة مجدّدة عندما يتعلّق الأمر بالشعائر وما شابهها. وبصراحة، لقد توقعت وجود احتفالات غريبة وطقوس انضمام أكثر ممّا وجدت، لكن كلّ ما وجدته تقريباً هي ممارسات تعبديّة أرثوذوكسيّة.  
كما وجدنا مجموعة واسعة من الممارسات التي أُطلق عليها وصف استجماميّة (ذلك لأنّها اختياريّة وجماليّة أو ترفيهيّة). ما أتحدث عنه هو الاستماع إلى الأناشيد ومشاهدة الفيديوهات وسرد القصص وقراءة الشعر وتأويل الأحلام والرياضة والتلاقي والطبخ، إلخ. 
كما يتم إيلاء الكثير من الانتباه إلى ما أطلق عليه علامات الهويّة: اللباس والزينة، الأسماء المستعارة، الشعارات، والعادات المخصوصة.
أما في ما يخص البكاء، فيبدو أنّه يحدث في أغلب الأحيان ضمن السياق التعبديّ (خاصة خلال تلاوة القرآن)، لكن أيضاً ضمن الخطب ونداءات التجنيد، كما يحدث بين الفينة والأخرى لأسباب أكثر بساطة (بعد فقدان صديق، على سبيل المثال). ومن الجليّ أن البكاء في الحياة الجهاديّة السريّة محبّذ اجتماعيّاً بوصفه علامة على الإخلاص للخالق وللقضيّة. ولا يختصّ الجهاديّون بهذه الفكرة، فهي جزء من التقليد الإسلاميّ، حيث كتب الغزالي، وهو متكلّم من القرون الوسطى، بكثافة حول منافع البكاء. 
توجد بعض الاختلافات المرتبطة بالجغرافيا، خاصّة بين الجهاديّين في الغرب، الذي أدمجوا الكثير من عناصر ثقافة الشارع الغربيّة، وبين المقاتلين في "الشرق". حيث يبدو أنّ الشعر مثلاً يحظى لدى الجهاديّين المنحدرين من شبه الجزيرة العربيّة بتقدير أكبر من ممّا يلقاه لدى الجهاديّين القادمين من أماكن أخرى. لكن الكثير من العناصر الثقافيّة، مثل الأناشيد والبكاء وتأويل الأحلام، موجودة "في كلّ مكان"، وهذا ما يجعلني أقترح أنّ الثقافة الجهاديّة لها جوهر عالميّ بحقّ.   
كما تمكّنتُ رفقه المساهمين الآخرين من توثيق تطوّر زمني مبهر يمتد من عقد الثمانينات، حين كان الجهاديّون يرتابون من الأناشيد والموادّ المصوّرة، إلى عقدنا الراهن، حيث صارت المواد السمعيّة البصريّة منتشرة في كلّ مكان. كما يجادل دافيد كوك بأنّ الأوصاف الاستشهاديّة حول الحياة الآخرة قد صارت أكثر جنسيّة، وأنّ الشهداء صاروا يعاملون على نحو متزايد كوجوه حديّة تذكّر بصورة الأولياء المتصوفّة. كما صار الجهاديّون مع الزمن أكثر "ليبراليّة" بمعنى ما، واتسّع اقتراضهم من التقليد الصوفيّ (رغم أنّهم لم يقرّوا بذلك قطّ). وبعبارة أخرى، فقد ساوم الجهاديّون حول مبادئ سلفيّة محوريّة بغاية تكييف منتجات وممارسات جديدة. وبما أنّ هؤلاء الأشخاص لا ينتمون إلى الصنف المساوم من الناس، فإنّ العناصر الجديدة تمثّل أهميّة عندهم.  

فرضيّتان

يقودني ذلك إلى مسألة التفسير، أي: لماذا الثقافة الجهاديّة؟ لقد كان أغلب عملي حتى الآن وصفيّاً، لكني أريد أن أطرح فرضيتين حول ما تفعله الثقافة الجهاديّة، ولن تكون هذه معالجة شاملة، بل توضيحاً للكيفيّة التي يمكننا من خلالها مقاربة المسألة كعلماء اجتماع. 
الفرضيّة الأولى هي أنّ الثقافة الجهاديّة تخدم كمصدر للعلامات النفيسة على الجدارة بالثقة. هذه الفكرة مستلهمة من الأدبيّات حول الثقة والتأشير، حيث تواجه الأنشطة عالية المخاطر مشكلة ثقة حادّة عند التعامل مع منتدبين أو محاورين جدد، فقد يكون الشخص غير جدير بالثقة أو أسوأ، أي يكون عميلاً مُخترِقاً. وبما أنّ الجدارة بالثقة والأصالة خاصيّتان غير ظاهرتان، فإنّه يتوجّب على "الموثوقين" البحث عن علامات ظاهرة مرتبطة بتلك الخاصيّتين. ويمكن أن تكون "العلامة" هي الطريقة التي يبدو عليها الشخص أو سلوكه أو طريقة حديثه، أو غيرها. وبما أنّ المتحيّلين يحاكون على نحو فعّال تلك العلامات للظهور بمظهر الجدير بالثقة، فإنّ ممارسة قراءة العلامات –أو "التدقيق"- تغدو صعبة. ويقع في محور لعبة الثقة مفهوم كلفة العلامة، ذلك أن محاكاة بعض العلامات أيسر من محاكاة علامات أخرى. ويشتهر تقليد الكلام بكونه سهلاً، لذلك تتوقّع نظريّة التأشير أنّ الموثوقين سيبحثون عن علامات تكون محاكاتها عالية الكلفة لكنّها متيسّرة للجديرين عن حقّ بالثقة. 
وفي حالة المجموعات الجهاديّة، يمكن أن يكون إظهار الاطلاع على الثقافة الجهاديّة – مثل حفظ الأناشيد الجهاديّة على نحو جيّد- علامة مكلفة لأنّ اكتسابها يتطلب وقتاً. وهكذا، يمكن أن يكون الإلمام بالثقافة الجهاديّة دليلاً على إمضاء وقت في السريّة. فمن وجهة نظر الموثوق، كلّما توسّع نطاق العلامات المحتملة، كلما كان ذلك أفضل، لأنّ المدونة الثقافيّة الجهاديّة ثريّة ومعقّدة إلى درجة تسمح لها بأن تكون مصدراً مفيداً لعلامات التدقيق. وتوجد بعض الأدلة الإمبريقيّة على صحة هذه الفرضيّة، سواء تعلق الأمر بسياقات التجنيد في الواقع أو في العالم الافتراضيّ. وقد يساعد هذا أيضاً على تفسير تعسّر اختراق بعض المجموعات الجهاديّة على يد أجهزة المخابرات، إذ أنّه من الشاقّ تعلّم كلّ الفروقات الثقافيّة الدقيقة. 
وتقول الفرضيّة الثانية إنّ المنتجات والممارسات الثقافيّة هي أدوات إقناع عاطفيّ وأنّ دورها هو تعزيز الإقناع الإدراكيّ الذي تقوم به العقيدة. فالثقافة الجهاديّة يمكنها أن تساهم في تشكيل معتقدات النشطاء وأذواقهم، وهذا ما سيؤثر في نهاية المطاف في تحديد قرار انضمامهم أو بقائهم أو تأديتهم مهام معيّنة لصالح المجموعة. والقاسم المشترك بين أشياء مثل الموسيقى والمواد المصوّرة وسرد القصص أو البكاء، هو إثارتها أو ارتباطها بالعاطفة. وتعجّ المصادر الأوليّة بأمثلة لأناس يتحدثون عن أحاسيس خاصّة خالجتهم وهم يستمعون إلى الأناشيد أو يشاهدون فيديوهات أو يقرؤون الشعر. كما نعرف أيضاً أنّ الأفراد يتعرفون على المنتجات الثقافيّة في مرحلة مبكرة من مسار تجنيدهم، وأنّ بعضهم ينسب صراحة فضل انجذابه إلى الجهاديّة إلى الفيديوهات والموسيقى أكثر مما  ينسبه إلى الكراسات الأيديولوجيّة. 
وتوجد إلى جانب ذلك إشارات تدل أنّ قادة المجموعات يتقصّدون استخدام المنتجات الثقافيّة بغرض التجنيد. ففي عام 2000، كتب استراتيجيّ جهاديّ يكنّى بأبي حذيفة رسالة إلى أسامة بن لادن يقترح فيها أن تصوّر القاعدة حفل زواج جهاديّ وتستخدم الشريط في الدعاية لها:
"يجب على الجهاز السياسيّ إعداد برامج حفلات الزواج من كلمات وأناشيد وأشعار، ثم يقوم الجهاز الإعلامي بالإخراج الفني لمادة الحفل بالصورة المناسبة ثم بثّ هذه المادة بين الناس [...] فيكون لهذه المادّة مدلولات عظيمة وإسقاطات نفسية تختلف من شخص لآخر، ولكنها تصب في مجرى رئيسي، وهي تحريك المشاعر وهزّ وجدان المتردّدين على دار الهجرة."
وعلى نحو مشابه، تحدث الواعظ الأمريكيّ اليمنيّ أنور العولقي في كراس شهير عنوانه "44 طريقة لدعم الجهاد" عن الأناشيد قائلاً:
"يجب إلهام المسلمين لممارسة الجهاد، في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يوجد شعراء يستخدمون شعرهم لإلهام المسلمين وتثبيط للكافرين، ويمكن أن يلعب النشيد اليوم ذلك الدور. حيث يمكن للنشيد الجيّد أن ينتشر ويبلغ جمهوراً لا يمكن بلوغه من خلال محاضرة أو كتاب، الأناشيد ملهمة خاصّة للشباب [...] الأناشيد عنصر مهمّ في خلق "ثقافة الجهاد" [هكذا حرفيّاً]. " 
لكن بطبيعة الحال، لا تثير جميع عناصر الثقافة الجهاديّة العاطفة أو ترتبط بها بنفس الدرجة. فمن السهل معرفة دوافع الجهاديّين لصياغة أناشيد تمكنهم من إغراء منتدَبيهم، لكن الأقلّ وضوحاً هو اهتمامهم الشديد بالأحلام أو دوافع اختيارهم الملابس التي يرتدونها. ومن الواضح أنّ صلاحيّة الفرضيتين تنتهي هنا، ونحتاج إلى توسيع البحث للإجابة على سؤال لماذا المرتبط بالثقافة الجهاديّة، والمرتبط بثقافات التمرد بصفة أعم. 
لم ألمح أحداً يتسلل من الباب الخلفيّ، لذلك أتمنّى أن أكون قد نجحت في اقناع بعضكم بأهميّة ما يقوم به الإرهابيّون في أوقات فراغهم. وإذا ما ألهمت طالباً أو اثنين بالكتابة حول الثقافة الجهاديّة أو ثقافة مجموعات أخرى، فإنّي أعتبر ذلك  مكافأة ضخمة بالنسبة لي. وقد وجدت شخصيّاً أنّ مسار دراسة هذه الأمور مسلٍّ للغاية، وأظنّ أنّ السبب يكمن في إبراز إنسانيّة أناس نتصور عادة أنّهم متعصبّون مغسولو الدماغ. 
وبمناسبة هذه الملاحظة، دعوني أنهي باقتباس لدانيال جينيس (Daniel Genis)، وهو سجين سابق يكتب مقالات مثيرة للاهتمام حول الثقافة داخل السجون الأمريكيّة، ورغم ارتباط الاقتباس بموضوع مثير للاشمئزاز، إلاّ أنّه ينتهي بتبصّر مهمّ:
"وتوجد حتى أسماء للندوب. حيث يوجد "جرح الهاتف" الذي يمتدّ من الأذن إلى الفم، وهو عقاب من يتولّى استعمال هاتف للإبلاغ عن شخص ما. ويوجد "الدولار وثمانون سنتاً"، وهو جرح يتطلب 180 غرزة لتقطيبه. وتوجد "الستائر"، وهي عبارة عن جرحين على امتداد الوجه، ما يجعل العينين تبدوان كما لو أن لهما ستارتان. ويوجد "الخطّاف" الذي يترك حفرة على الوجنة. تبدو هذه الأشياء رهيبة، لكنها في الحقيقة [...] تظهر بروز ثقافة سجنيّة، كما تظهر أنّ البشر أكثر من مجرد حيوانات – فنحن نصنع ثقافة أينما حللنا." 

شكراً على انتباهكم.