تقرير تحليلي

قانون وزارة الأوقاف تنظيم المؤسسة الدينية أم تطويع لها؟

أولاً: المقدمة
صدر يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر 2018 القانون رقم 31 لعام (2018)، والناظم لعمل وزارة الأوقاف. 
ويتألف القانون من سبعة أبواب تقع في 37 صفحة، يتضمن الباب الأول؛ تعريفات رئيسية، ويحدد الباب الثاني مهام الوزارة واختصاصات الوزير، ويتضمن الباب الثالث 9 فصول يقرّ أولها بإحداث "المجلس العلمي الفقهي الأعلى"، ويقوم الفصل الثاني بتحديد ماهية "الإسلام الصحيح" الذي سيحقق المجلس العلمي الفقهي الأعلى أهدافه وفق 11 مبدأ، ويناقش الفصل الثالث شروط وأصول التكليف بالعمل الديني الإسلامي، ويحدّد الفصل الرابع واجبات ومحظورات المكلفين بالعمل الديني، ويضع الفصل الخامس العقوبات التأديبية لمخالفات أرباب الشعائر الدينية، ويحدد الفصل السادس الإجازات. ثم في الفصل السابع رواتب المكلفين بالعمل الديني. ثم إنهاء خدمة الموظفين في الفصل الثامن، وفي الفصل التاسع تسمية مفتي الجمهورية. في الباب الرابع يتحدث القانون التشريعي عن تنظيم التعليم الشرعي، ويركّز الباب الخامس على تنمية عقارات واستثمارات وزارة الأوقاف ويشرح ذلك في أربعة فصول. ويحتوي الباب السادس على 5 فصول تحدد مديريات وشعب ولجان أحياء وزارة الأوقاف على أن يكون لكل منها "موازنة مستقلة"، ويعمل الباب السابع على تعديل وإلغاء مواد أو مراسيم سابقة من أجل إقرار التشريع الجديد. 

ثانياً: تحليل أبرز مواد القانون 
تضع أبواب وفصول ومواد القانون التشريعي الجديد "ضوابط للعمل الديني ومأسسته" وفق تعبير وزير الأوقاف محمد عبد الستار، وهذه هي المرة الأولى في سورية التي يصدر فيها قانون يقوم على هذه المهام. وفيما يلي محاولة لتحليل أبرز ما جاء في القانون: 
الباب الثاني 
يمنح الباب الثاني وزير الأوقاف سلطة دينية غير مسبوقة على مستوى الدولة والمجتمع، في حين كانت التشريعات السابقة الناظمة لعمل الوزارة تمنحه سلطة محدودة تنحصر في الشؤون الدينية وإدارة الأوقاف. 
وقد ذكر الباب الثاني أن مهام الوزير محاربة الفكر التكفيري المتطرف، "كالوهابية وتنظيم الإخوان وما يماثلها من الحركات والتنظيمات المتطرفة". وفي قسم "العقوبات التأديبية" من الباب الثالث، ينصّ القانون على أن "كل من يقوم من أرباب الشعائر الدينية بطرح قضايا من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة الوحدة الوطنية أو تحرض على الطائفية أو التفرقة المذهبية أو ينشر أفكاراً تكفيرية متطرفة كالأفكار الإخوانية أو الوهابية أو يرتكب مخالفة جسيمة يقدرها الوزير، ترفع عنه الصفة الدينية بقرار من الوزير، ويحرم من الحقوق الماليَّة المتصِّلة بالعمل الديني والمنحة النقدية المنصوص عليها في هذا القانون، فضلاً عن العقوبات المُقرَّرة في القوانين والأنظمة النافذة".  
وهذه هي المرة الأولى بحسب وزير الأوقاف (في مقابلته مع قناة الإخبارية بتاريخ 2/10/2018) التي ينص فيها قانون للأوقاف في العالم الإسلامي على اسم الإخوان صراحة باعتبارهم مادة للاستهداف من قبل وزارة الأوقاف. 
ويكرّس هذا النص المضمون الذي جاء به القانون 49 لعام 1980، إذ يعتبر أن الفكرين الإخواني والسلفي تكفيريان متطرفان بذاتهما، وأن نشرهما يُشكّل جريمةً تؤهّل الوزيرَ لنزع الصفة الدينية عن فاعلها. وتركَ القانونُ، في المادة 16/أ من الباب الثالث، للوزير تقديرَ ما إذا كانت فكرة معينة هي فكرة إخوانية أو سلفية!. 
كما يضع الباب الثاني هيكلاً تنظيمياً جديداً يهدف إلى مأسسة الشأن الديني في سورية وتحقيق مزيد من الرقابة والسيطرة على مفاصله، من خلال إحداث شعب أوقاف في كل وحدة إدارية، وتحديد مهام الوحدات التنظيمية وارتباطاتها ومستويات الإشراف وعلاقات التنسيق فيما بينها. 
ومن المفيد هنا لفت الانتباه أن الشأن الديني في سورية يُمكن تقسيمه من الناحية العملية إلى "سلطة دينية اعتبارية" غير متبلورة على أساس تنظيمي رغم محاولات بعض رموزها مأسسته في ستينيات القرن الماضي ليكون فاعلاً في الشأن العام والسياسي قبل أن ينهي حزب البعث طموحاتهم، وتأتي السلطة الاعتبارية من ناحية الالتزام القيمي للعاملين في الشأن الديني للمشايخ والعلماء والمدارس الشرعية ذات الطابع الشامي التقليدي. وبالمقابل هناك "سلطة دينية رسمية" بدأ تنظيمها بشكل فعلي ورسمي منذ مطلع عام 1970. 
ويبدو أن الهيكل التنظيمي الجديد الذي يقرّه الباب الثاني بالإضافة إلى صلاحيات وزير الأوقاف، يحاول احتكار عملية مأسسة الشأن الديني وتوسيع نطاق الولاء للسلطة الدينية الرسمية، وتضييق نطاق حركة أتباع السلطة الدينية الاعتبارية وأنشطتهم. 
ومعلوم، أن القائمين على السلطة الدينية الرسمية كانوا يمارسون مهاماً في الدولة والمجتمع تتجاوز الجانب النظري المنصوص عليه في المراسيم التشريعية الناظمة لعمل الوزارة، ويمتلكون امتيازات أمنية واسعة دون محاسبة.
واعتمد القانون التشريعي الجديد "الفريق الديني الشاب" كأداة لتمكين النسق الشاب من الأئمة والخطباء، وسوف يتم التعويل على هذا الفريق في تأسيس جيل جديد من الشيوخ، مثلما قال السيد في مقابلة متلفزة. 
واعتمد القانون رسمياً "معلمات القرآن الكريم"، وهي التسمية التي تطلقها وزارة الأوقاف رسمياً على جماعة القبيسيات، وتم منحهنّ خمسة مقاعد في "المجلس العلمي الفقهي الأعلى". 
الباب الثالث 
إن إحداث "المجلس العلمي الفقهي الأعلى" مثلما ينص الباب الثالث، ووضع إطار عام لأهدافه بتشكيل مرجع فقهي جامع بعد تحقيق التكامل بين المذاهب الفقهية دون تحديد عددها واسمها، ووضع مبادئ محدّدة لـ "الإسلام الصحيح"، هو بمثابة إعلان عن وجود سلطة دينية رسمية موازية لبقية السلطات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتمتلك هذه السلطة استقلالية مالية تامة. 
ويُمكن الاعتقاد أن فكرة "المجلس العلمي الفقهي الأعلى" مأخوذة من تجربة "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" في لبنان والذي أسسه موسى الصدر عام 1967 وكان أول رئيس له، لكن بعد بلورة الأفكار والأهداف بما يتناسب مع الظروف الجديدة في سورية والواقع الاجتماعي المختلف فيها. 
ويُقرر الباب الثالث أن تسمية مفتي الجمهورية تتم باقتراح من وزير الأوقاف، وهو ما يوسّع من صلاحيات هذا الأخير، لأن تسمية المفتي كانت مسبقاً تأتي من رئيس الجمهورية بشكل مباشر، وكان البروتوكول السابق أن يقف رئيس الجمهورية وإلى يمينه المفتي في إشارة إلى أن أهميته تأتي بعد الرئيس، لكن تحويل تسميته إلى الوزير يعني تحجيم حجمه، وتحويله إلى مرتبة دون وزير الأوقاف.
ويضاف إلى ذلك أن مدة ولاية المفتي قد أصبحت ثلاث سنوات، وبالتالي فإنّه سيكون بحاجة لإثبات ولائه واتساقه مع الاستراتيجية الدينية للنظام بشكل مستمر، وإلا فإنّه سيفقد منصبه. 
الباب الرابع 
يعطي الباب الرابع مجالاً لوزارة الأوقاف من أجل توسعة النشاط الديني في المجتمع السوري بشكل موازٍ للتعليم غير الشرعي في المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية، وبالتالي منحَ الوزارةَ القدرةَ على النفاذ بشكل أكبر في المؤسسة التعليمية ضمن الأهداف والأفكار التي تم وضعها. خصوصاً وأن المادتين 45 و46 في هذا الباب قد أعادت التأكيد على العمل بالقانون التشريعي رقم /36/ لعام 1972 من حيث أن الشهادتين الإعدادية والثانوية الشرعية معادلتان لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية العام بالفرع الأدبي، ويجوز انتقال الطلاب بين الصفوف المتماثلة في مراحل التعليم الأساسي. 
الباب الخامس 
يؤسس الباب الخامس لتوسيع الموارد الاقتصادية لوزارة الأوقاف وجعل ميزانيتها مستقلة عن الدولة، وإحداث مجلس الأوقاف الأعلى الذي سيكون مسؤولاً عن إدارة الملف المالي والملف القانوني للوزارة. ويعطي هذا الباب امتيازات قانونية غير مسبوقة للوزارة من حيث الحصانة والاستقلالية، ويجعلها بمثابة امبراطورية اقتصادية داخل الدولة لا سيما من ناحية السماح لها في المادة 89 بتأسيس شركات تجارية مملوكة لها من نوع شركات الأموال. 
وستكون الوزارة قادرة على تنظيم عقارات الأوقاف التي تسمح مساحتها بتشكيل تجمع عمراني مستقل سياحي أو سكني أو تجاري، وذلك خارج حدود التنظيم العمراني مثلما تنص المادة 91، ويُمكن الاعتقاد أن الوزارة تمهد الطريق من خلال مواد هذا الباب لوضع إطار قانوني يمنح العقارات إلى جهات أخرى، مثلما فعلت مطلع العام 2015، بمنح إيران عقارات في محافظة طرطوس. 

ثالثاً: خلاصة
عمل القانون رقم (31) لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف على تقنين الممارسات الأمنية في الرقابة على الشأن الديني في سورية، محوّلاً إياها إلى بنود صريحة وأنظمة عمل معتمدة، بعدما كانت عبارة عن تجاوزات غير قانونية مدعومة بمظلة أمنية من النظام. 
ويُمكن الاعتقاد أن النظام يسعى لإنتاج نسخته الخاصة من الخطاب الديني للمرحلة المقبلة؛ فقد أدرك أن هذا الخطاب له أهمية بالغة في قيادة الشارع والمجتمع، وأن الاكتفاء بالإدارة الأمنية للملف الديني، كما كان الأمر منذ استيلاء حزب البعث على السلطة، لم يجدِ سوى في ضبط ما يُقال على المنابر يوم الجمعة، وفي إنتاج خطباء ووعاظ لا يصلح معظمهم إلا لأداء الأدوار الدينية الرسمية لا لقيادة المجتمع وتوجيهه. 
ويمثّل هذا القانون إلغاء فعلياً لمفهوم "فصل الدين عن الدولة"، والذي يدّعي نظام البعث تطبيقه في سورية، إذ أن الدولة في هذا القانون استحوذت على كامل مفاصل العمل الديني وخطابه والعاملين فيه، ولم تعد هناك مساحات لنشاط ديني خارج الإطار الذي تقننه وزارة الأوقاف، وأصبحت "الصفة الدينية" –كما يسميها القانون- منحة بيد وزير الأوقاف، ينزعها ممن يشاء ويمنحها لمن يشاء.  
وليس مستبعداً أن تكون إيران قد دعمت مأسسة الشأن الديني في سورية ضمن وزارة الأوقاف، خصوصاً وأن القانون يسمح للأجانب بشغل الوظائف الدينية بما فيها المناصب العليا بعد منحهم جنسية استثنائية من الوزير. وربما يكون صدور القانون تقنيناً لسيطرة إيرانية على الوزارة، حيث تتطلع طهران إلى أن تكون الأوقاف واحدة من المكتسبات التي يمكن أن تحصل عليها نظير مشاركتها المباشرة في حماية النظام، فهو قطاع تُستبعد الرغبة الروسية فيه، كما أنه يمنح إيران ما تصبو إليه عملياً في سورية: نفوذاً طويل المدى وبناء حواضن من الموالين أيديولوجياً ممن يمكن الاعتماد عليهم مستقبلاً لحماية المصالح الإيرانية على المدى البعيد، بدلاً من العلمانيين وغير المتدينين، والذين لا تثق بهم إيران حتى وإن أبدوا كل ولاء وتعاون.