أخبارنا

في الرياض تُصنع فرصة الحل أو تؤجل

محمد سرميني
المدير العام لمركز جسور للدراسات

تُجدد السعودية التزامها إزاء الشعب السوري باستضافة مؤتمر الرياض الثاني الأسبوع القادم لتوحيد مواقف المعارضة السورية قبل استئناف جولات مؤتمر جنيف العتيد. والمملكة إذ تفعل؛ إنما تكرس دورها الريادي في أكثر من ملف على مستوى المنطقة العربية، وإصرارها على مواجهة التحديات بدلاً من الاستسلام لها.
لا شك أن المؤتمر الذي دُعيت إليه عشرات الشخصيات السورية من سياسيين وممثلي مجالس محلية وعسكريين؛ فرصة أخرى لإطلاق موقف وطني جامع للأطياف والقوى المعارضة للنظام السوري، والتي تبحث عن حل سياسي جدي في سورية التي بلغت معاناة شعبها حداً يفوق الوصف، وسط استعصاء دولي وإقليمي لا يبشر بانفراج قريب.
هي فرصة أمام طرفين اثنين: الأول هو المعارضة السورية بكل تشكيلاتها وتلويناتها، والتي يجب أن تتخذ أخيراً قراراً شجاعاً بأن تمضي حتى النهاية في طريق التفاوض للوصول إلى حل سياسي؛ والثاني هو الراعي السعودي الذي ينظر إليه كثير من السوريين بعين الأمل كضامن لحقوقهم التي ضيّعتها سنوات من المواقف الدولية غير المسؤولة.
يعتقد كثير من السوريين أن السعودية لا يمكن أن تتخلى عن الشعب السوري، ولا تقبل باختزال هذا الشعب الذي تربطه بالشعب السعودي وشائج القربى الوثيقة. والإشارات التي صدرت عن المسؤولين السعوديين خلال الأشهر القليلة الماضية للهيئة العليا للمفاوضات التي انبثقت عن مؤتمر الرياض الأول (2015)، بالتعامل مع الواقع الجديد المتشكل على الأرض السورية مع اقتراب القضاء على بؤر الإرهاب التي أضرت بالثورة، ومع الواقع الدولي المتطور؛ لم تلق آذاناً صاغية. ثم كانت محاولات توحيد جهود الهيئة العليا مع منصتي القاهرة وموسكو، والتي لم تنجح في تحقيق تقدم يُذكر، الأمر الذي اقتضى بحث خيارات، كان أبرزها الدعوة إلى مؤتمر الرياض 2.
في الرياض 2 يمكن أن تخرج المعارضة التي أدمنت المؤتمرات طوال الأعوام السبعة الماضية، بنتائج أكثر واقعية وقرباً من تحقيق نتائج ملموسة في إنهاء المأساة السورية. قد لا يمكن للمعارضة أن تطالب بتحقيق كامل مطالب الثورة التي انطلقت في 2011، ولكنها تستطيع تثبيت مكتسبات الشعب السوري الذي خرج عن صمته وزلزل المعادلة الوطنية الراكدة، بل وأسهم في تغيير المعادلات الإقليمية والدولية. وعلى المعارضة أن تخرج من ثنائية "النصر أو الهزيمة" التي طبعت سلوكها السياسي، كما طبعت سلوك النظام نفسه الذي يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن التسوية السياسية في سورية لن تكون على هواه. ويجب أن لا تسمح المعارضة للعنجهية التي يبديها ممثلو النظام في المحافل الدولية بأن تجرنا نحو مستنقع البقاء في حالة اللاحل.
غير أن تحقيق هذا الأمر يمر من خلال حصول توحيد حقيقي لمواقف أطياف المعارضة كافة، وكفّ بعض الأطياف عن ادعاء احتكار الموقف المعارض بمجرد التصعيد اللفظي الذي لم ينتج حلاً منذ بدء تجربة الهيئة العليا للمفاوضات، بل ويُعتقد أنه لم ينجح حتى في وقف تدهور وضع المعارضة الميداني، إن لم يكن أدى إلى المزيد من التدهور والخسارة البشرية في الحاضنة الشعبية للمعارضة، بينما كان التشدد الإعلامي الظاهر غير المستند إلى معطيات الواقع مجرد ستار لأزمة العجز عن تقديم طروحات ورؤى تجديدية لحل المشكلة السورية من خلال التفاوض؛ وتعليق العجز على مشجب النظام الذي كان يسرّه أن يبوء بهذا الإثم بكل أسف.
ثمة قلق في بعض الأوساط المعارضة من أن تؤدي المقدمات والدعوات للمؤتمر إلى العودة للدوران في الحلقة المفرغة التي دار فيها الخطاب المعارض التقليدي، بينما لا تحظى القوى التي تقدّم رؤية مختلفة للحل بالتمثيل الكافي. وهذا قد يفتح الباب أمام انتهاء أعمال مؤتمر الرياض 2 إلى حالة جديدة من التكلس، يمكن أن تشتت المعارضة في مؤتمر جنيف، إن لم تدفع بالمشروعات المنافسة التي تُطرح هنا وهناك إلى الأمام، ما يؤثر على أهمية مؤتمر الرياض 2 كامتداد لتكليف السعودية بتوحيد المعارضة السورية من قبل المجموعة الدولية لدعم سورية في فيينا.
هي إذن فرصة لتوحيد المعارضة تحت سقف سياسي واقعي يؤدي إلى تفاوض حقيقي من أجل تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2254 الذي يقدم خريطة طريق لانتقال سياسي كامل في سورية، ويؤكد على وحدة سورية واستقلالها وسلامة أراضيها. والفرصة التي توفرها الرياض للمعارضة لإعادة الإمساك بزمام المفاوضات في وجه النظام، إنما تنجح بخروجها موحّدة الموقف والتمثيل، وإلا عاد الاستقطاب الذي ربما يؤدي إلى دفع ذوي الأصوات العقلانية إلى البحث عن مخارج سياسية بعيداً عن التصعيد الإعلامي.