تقرير تحليلي

علاقة السوريين وسلطة الحكم كيف أثّرت عليها الثورة

ملخص
منذ وصول حزب البعث بانقلاب عسكري إلى السلطة في أواسط الستينيات، دخلت سوريا في مرحلة من الحكم الشمولي. ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة بانقلاب آخر بداية السبعينيات، انتقلت البلاد إلى مرحلة أخرى من الحكم البوليسي، وصلت أوجها في ثمانينيات القرن الماضي. 
وتمكّن نظام الأسد الأب من مقاومة رياح التغيير التي شهدها العالم بعد انهيار جدار برلين عام 1989، وبقيت سوريا كسجن مغلقٍ عصيّ على التغيّر. واستمرّ هذا المشهد في عهد الأسد الابن، وإن كانت بصورة تبدو أقل قسوة مما سبقها، وبالمحتوى نفسه. 
أدّت الثورة التي انطلقت في آذار/ مارس 2011 إلى تغيير في معادلة العلاقة بين السوريين والسلطة، ففقدت الأجهزة الأمنية رهبتها الشهيرة، وتحوّل النظام الذي كان يملك كل شيء في المشهد العام إلى فاعل من فاعلين آخرين، ينُازع على سيطرة الأرض، ويبحث عن تمثيل في المحافل الدولية المتعلقة بسوريا، ويحاول الحصول على الفتات الذي يتركه داعموه. 
إن الظروف الموضوعية التي ساعدت حافظ الأسد على بناء جمهورية الخوف في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم تعد موجودة اليوم، لا محلياً ولا دولياً، ومن ثم فإنّ من غير الممكن للنظام رغم بقائه على قيد الحياة حتى الآن، أن يُعيد بناء تلك المنظومة من جديد، ولا حتى أن يعود لسيطرته المطلقة على كامل المشهد العام. 

تمهيد
كانت سوريا قبل عام 2000 واحدة من الدول القليلة التي استطاعت المحافظة على إرثها القمعي المطلق بعد موجة التغيير التي شهدها العالم مع انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كان منذ الخمسينيات راعياً أساسياً لنمط الدولة الشمولية المطلقة. 
واتسم المشهد السوري تبعاً لذلك بانغلاق شديد لا يُتيح للعالم معرفة ما يجري في داخله بسهولة، وهو الأمر الذي سوّقه النظام كميزة نسبية تحت مسمّى "الاستقرار". ولم يكن بإمكان الإعلام الخارجي الدخول إلى سوريا إلا تحت رقابة شديدة من أجهزة الأمن، وغالباً ما يقتصر الأمر على الصحفيين والباحثين المعروفين بمواقفهم "الإيجابية" من النظام، أما الإعلام المحلي فكان وسيلة دعاية وإعلان ملحقة بالحزب والأجهزة الأمنية، وهو القطاع الذي قاوم التغيير إلى حد كبير حتى يومنا هذا. 
وفي الواقع، فإنّ هذه البنية "المستقرّة" كانت ركيزة أساسية في ذهن حافظ الأسد، المهندس الذي خطط وأشرف على تنفيذ بناء هيكل الدولة السورية الحالية، وهو الواصل إلى سدّة الحكم بانقلاب على رفاقه، الذين وصلوا بدورهم بانقلاب على من كان قبلهم، في سلسلة من الانقلابات التي سادت سوريا منذ الاستقلال. 
وأدّت "حالة اللا تغيير" التي سادت منذ نهاية الستينيات إلى تكلّس في بنية المجتمع، وفي قدرته على توليد القوى المجتمعية وعلى تغييرها، بل وحدّ من قدرة النظام نفسه على تجديد نفسه، وعلى تحديث آليته للتعامل مع التغيير، وهو الأمر الذي تسبَّب بحالة من الإرباك الكبير داخل النظام عندما جاء بشار الأسد في بداية الألفية الثانية بسلسلة من التغييرات، فعملت آليات النظام الداخلية على مقاومة هذا التغيير، ودفعت باتجاه تحجيمه ثم القضاء عليه، وهو ما حصل فعلاً، حيث أنهى النظامُ حالة التغيّر التي بدأها بنفسه، وعادت سوريا في أواسط العقد الأول من الألفية إلى حالة شبيهة نسبياً بعهد ما قبل بداية التغيير. 
لكن انطلاق الثورة في عام 2011 كان حالة مختلفة هذه المرة، فقد جاء التغيّر في قواعد اللعبة من خارج النظام ولم يكن متوقعاً (على الأقل بتلك الدرجة والحجم)، مما تسبب في تغير سريع وغير قابل للضبط من قبل أي جهة، بما فيها الجهات المعارضة التي بدأت أو دفعت باتجاه الثورة. وتحوّلت سوريا من بلد "حالته ساكنة ومستقرة" إلى أرض متحركة لا يمكن للمتابع العادي الإلمام بكل تغيّرات المشهد فيها. 
ويحاول هذا التقرير الذي يأتي في الذكرى السابعة لانطلاق الثورة، توصيف المشهد السياسي والأمني حتى عام 2011، وقراءة التغيّرات التي أحدثتها الثورة وما تلاها من أحداث، وتوصيف ما تبقى من إرث دولة الحديد والنار بعد سنوات سبعة من عمر الثورة السورية. 

كيف بنى الأسد الأب جمهورية الخوف؟ 
عمل نظام الأسد بشكل متدرّج على تحويل سوريا إلى سجن كبير، مستوحياً بذلك نماذج الحكم الشمولي التي تم تطبيقها في الكثير من الدول الشيوعية إبان الحرب الباردة. وساعدت المواجهات التي جرت في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات على تسريع مشروع الأسد لبناء السجن، حيث تحوّلت سوريا في عقد الثمانينيات والتسعينيات إلى دولة بوليسية متوحشة، وتغولّت أجهزة الأمن في مفاصل الدولة والمجتمع. 
وتركّزت استراتيجية الأسد في بناء جمهورية الخوف على عناصر عدّة، أهمها: 
1. تغول أجهزة الأمن
عمل حافظ الأسد على بناء منظومة متكاملة من الأجهزة الأمنية التي لا تتقاطع في عملها إلا لديه، بما يمنع اتفاقها، ويضمن عدم استفراد أيّ منها في التخطيط لمؤامرة ضده، ويدفعها للتنافس فيما بينها لتقديم المعلومات وخدمة النظام.
ومُنحت هذه الأجهزة صلاحياتٍ واسعة ومطلقة، وامتلكت إمكانية مصادرة أي حق دون مستند قانوني، بدءاً من "الحق في الحياة" وليس انتهاء "بحقوق الخصوصية". وبينهما كان بإمكان هذه القوى اعتقال وإخفاء من تشاء، والحط من كرامة من تشاء، دون إمكانية محاسبتها، إلا من رأس النظام نفسه ووحده فقط. 
وأدّت التنافسية العالية بين الأجهزة إلى دفعها لاستخدام كل الوسائل، البدائية منها والحديثة، بغية الوصول إلى المعلومة أولاً. ونشرت هذه الأجهزة جيوشاً من المخبرين في كل زاوية تقريباً من البلاد، بعضهم متخفٍ بزيّ بائع أمام المساجد أو بزيّ عامل نظافة، فيما ينتشر آخرون بشكل رسمي، يجلسون في سيارات البيجو 406 و504 و505 والأوبل أوميغا لساعات طويلة في الأحياء، أو يرتدون البدلات الرسمية (أو السفاري سابقاً)، أو يضعون تحت أذرعهم حقائب صغيرة، ويجولون بين البقاليات والمحال التجارية يجمعون المعلومات عن سكان الأحياء.
واتصفت أجهزة الأمن في الوقت نفسه بمواكبتها للتطورات التكنولوجية الحديثة، في الوقت الذي كانت تعطّل فيه وصول التقنيات إلى المجتمع. ووفقاً لشهادات خبراء تقنيين عملوا مع بعض هذه الأجهزة في الثمانينيات والتسعينيات، فإنّ الأجهزة الأمنية كانت تشتري أحدث أجهزة الكمبيوتر وأجهزة التنصت وغيرها من التقنيات، في الوقت الذي كان شراء جهاز الفاكس يحتاج إلى موافقة أمنية لا يمكن الحصول عليها دون مبرر واضح، ودون أن يكون مقدم الطلب مصنفاً (كحيادي إيجابي) على الأقل. 
وساعدت الرقابة المشددة على أجهزة الاتصال الهاتفي ورسائل البريد (وهي وسائل الاتصال الوحيدة المتاحة في سوريا حتى عام 2002-2003) في صناعة الخوف داخل المجتمع، إذ كانت الأجهزة الأمنية تقوم باستدعاء أو اعتقال أولئك الذين يُجيبون أقاربهم في الخارج عن أسئلة الطقس بطريقة لا تُريح عنصر الأمن المتنصّت. واستمرت عمليات الرقابة لاحقاً بعد دخول الإنترنت، إذ اعتقل عديدون نتيجة تصفحهم لموقع إلكتروني أو حتى إعجابهم بصفحة فيسبوك. 
2. صناعة الولاء المفرط 
عمل حافظ الأسد على استيراد "استراتيجية الولاء المفرط" من بعض الدول الشيوعية آنذاك، وخاصة من كوريا الشمالية، التي زارها في عام 1974، وأعجب بنموذج كيم إيل سونغ في الحكم. 
وتقوم الاستراتيجية على ضرورة قيام كل مكونات الدولة بتقديم الولاء المبالغ فيه لشخص القائد، دون استثناء جهة أو شخص مهما كان، وتقديم المكافأة إلى أولئك الذين يبدعون في إنتاج أشكال جديدة من الولاء، وعقاب أولئك الذين لا يُقدّمون الولاء بما يكفي من الخضوع. 
ولا تهدف استراتيجية الولاء، بنسختها الكورية أو بترجمتها السورية، إلى إظهار قناعة الأفراد بالنظام أو برأسه، بقدر ما تطلب إظهار خضوع الأفراد، ومن ثم فإنّ النظام يشعر بالقوة كلما كان قادراً على إكراه الناس على تكرار ما يُثير السخرية، والمجاهرة بما لا يقبله العقل، وفقاً لتوصيف الباحثة ليزا وادين. وهو ما يُفسّر الكثير من التحليلات المضحكة التي قدّمها إعلاميون ومتحدثون موالون للنظام بعد عام 2011، كخروج المواطنين لشكر الله على نعمة المطر، وذهاب السوريين إلى تركيا لزيارة ذويهم، والبارجة الألمانية التي دمرها الجيش السوري على الساحل.. إلخ.  
وشهدت سوريا منذ نهاية السبعينيات تصاعداً في أعداد الجداريات الضخمة التي تحمل صور الرئيس، مع هالةٍ تشعّ من خلفه، وأضيفت إلى صوره أحياناً صور ابنه باسل وأمه ناعسة، كما انتشرت تماثيله في الميادين والحدائق، ورُفعت صوره في كل مكان تقريباً. 
3. جهاز الأمن الاستباقي
أدّت الوحشية المفرطة من قبل أجهزة الأمن والجيش والميليشيات المساندة (كسرايا الدفاع) في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى توليد منظومة من القيم المنظمة للخنوع الذاتي لدى الأفراد، فانتقلت الرقابة الأمنية من فروع الأمن المختلفة إلى منظومة الأسرة، التي تحوّلت بدورها إلى جهاز أمني استباقي وفعال.
وانتشرت في بيوت السوريين عبارات من قبيل "اسكتوا فالحيطان لها آذان"، و"فلان ذهب إلى بيت خالته (السجن) ولن يعود"، و"لا تحكوا بالسياسة الله يرضى عليكم"، و"أحسن شيء الابتعاد عن كل شيء مرتبط بالسياسة"، و"ما دخلنا".
وأصبح الأهالي يقومون بدور الرقابة المبكرة على أبنائهم، ممن يبدو عليهم بوادر الاهتمام بالشأن العام، فكانوا يقومون بالبحث في خلفيات أصدقائهم، والسؤال والبحث الدقيق عن أنشطتهم خارج المنزل.. إلخ، وكيف ينبغي للأهالي التصرف في حال الشك بتعاطي أبنائهم المخدرات. 
4) تجفيف الحياة السياسية
عمل نظام البعث على تجفيف الحياة السياسية، فمنذ اليوم الأول لانقلابه، أمَرَ عبر البلاغ رقم (4) بإيقاف إصدار الصحف في جميع أنحاء البلاد، ما عدا صحف الوحدة العربية وبردى والبعث، وبعد أسبوع آخر أصدرَ المرسوم التشريعي رقم 4 بتاريخ 13/3/1963 والقاضي بإلغاء امتياز الصحف والمطبوعات الدورية، ومصادرة ممتلكاتها، وفي 25/3/1963 أصدَرَ المرسومَ رقم 29، والقاضي بفرض عقوبة العزل المدني على عدد كبير من المدنيين والسياسيين والعسكريين والكتاب وقادة الأحزاب. 
شكّلت هذه الإجراءات بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، تُحتكَر فيها الحياة السياسية فيها للحزب الذي تمكّن من الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح. وقد تقنن هذا الاحتكار في الدستور الذي تم اعتماده في عام 1973، حيث نصّت المادة الثامنة منه على أن "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب، ووضعها في أهداف الأمة".
ومنذ عام 1963، لم تشهد سوريا إنشاء أحزاب جديدة (ما عدا الانشقاقات التي حصلت في بعض الأحزاب)، وتم التعامل مع الأحزاب القديمة الموجودة إما بطريقة الاحتواء في الجبهة الوطنية التقدمية التي تشكّلت عام 1972، لتتحوّل إلى شكل رمزي فاقد المحتوى، أو بطريقة الاستئصال الكامل، مثلما حصل مع الإخوان المسلمين. وما ينطبق على الأحزاب ينطبق على النقابات أيضاً، التي تمّ حلّها في عام 1980، وأعيد تشكيلها في العام التالي، لتتحوّل إلى شكل رمزي آخر، يخضع بالكامل لسيطرة الأجهزة الأمنية. 
لكن حزب البعث نفسه لم يَسْلَم من عمليةِ التجفيف السياسي، فتحوّل بدوره إلى جهازٍ نفعي لا أيديولوجي، بعد أن تمت تصفية المفكرين فيه، ومنْعُ أدبياتهم، وضَعُفَ تأثيرُ الحزب تدريجياً حتى غابَ بصورة ملفتة عن المشهد السياسي منذ عام 1985 وحتى عام 2000، لصالح شخص حافظ الأسد الذي جمع بين يديه كل السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية، حيث أصبحت المنظومة السياسية بأكملها في يد حافظ الأسد، الذي يعتمد على أجهزة الأمن في المعلومات والتحكم، مستخدماً جهازاً تنفيذياً لا يقوم إلا بالأدوار السياسية الشكلية، ومجلساً للشعب يمنح قوانينه الشرعية اللازمة، وحزباً جماهيرياً يقوم بعمليات الحشد والتأييد، ومعارضة صُوريّة لازمة لديكور المشهد. 
كما شهد عمل المجتمع المدني تجفيفاً كاملاً هو الآخر، حيث أوقف قانون الطوارئ عمل قانون الجمعيات، ولم تعد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهي الوزارة المسؤولة عن تسجيل المنظمات غير الحكومية، تسمح بتسجيل جمعيات جديدة إلا في أضيق الحدود وبقرارات استثنائية، مثل الترخيص لجمعيات أو هيئات تابعة لأفراد من عائلة الأسد (كما حصل في الفترة بين 2003-2004 عندما حصلت أسماء الأسد على تراخيص لجمعيات تتبع لها)، أو جمعيات خدمية بحتة. 
وقد شهدت الفترة التي تلت استلام بشار الأسد للسلطة في عام 2000 حراكاً سياسياً ومجتمعياً، في الفترة التي عُرفت بربيع دمشق، وسمحت بظهور عدد من المنتديات السياسية التي شكّلت حالة غير معهودة في الواقع السياسي السوري. لكن هذا الحراك شهد مقاومة من داخل جسم النظام، حتى استطاع التغلب عليه وإنهاءه.  

الثورة تكسر جدران القمع

جاء التغيير الذي حملته ثورة عام 2011 ليقلب كامل الترتيبات التي بناها حافظ الأسد منذ نهاية الستينيات. واتصف التغيير هذه المرة بأنه كان واسع النطاق (وليس محدوداً من الناحية الفئوية أو الجغرافية على غرار ما حصل في بداية الثمانينيات)، وكان من خارج بنية النظام (على خلاف الانفتاح الجزئي الذي جرى في بداية الألفية الثانية)، وامتلك أدوات الاتصال مع العالم (نتيجة للتطورات التكنولوجية في عالم الاتصال)، وتوازى مع بيئة خارجية مختلفة عن كل ما سبقها (الربيع العربي). 
ولكن كل المعطيات السابقة لم تسمح لمعظم السوريين بتخيّل إمكانية انهيار منظومة الرعب التي بناها الأسد، أو على الأقل تخيّل سرعة انهيارها وفشلها في احتواء التهديد الذي يواجه نظامها. 
وقد أدّت التغيرات السريعة التي شهدتها الأشهر الأولى من الثورة إلى جملة من التغيرات الجذرية في شكل النظام. وسنعرض تالياً ثلاثة تغيّرات رئيسية أثّرت في كل شيء.  
1. تحطّم صورة الجيش والأمن
دفعت الأحداث المتتالية منذ 15/3/2011 إلى تغيّر في صورة الجيش والأمن في سوريا، وللمرة الأولى ربما منذ الاستقلال. 
ففي الوقت الذي كان المواطن يخشى في الثمانينيات والتسعينيات من الهمس أو حتى التفكير، أصبح شتم الرئيس والنظام في المظاهرات أمراً معتاداً، فانكسر "صنم التأليه"، ليس أمام المواطنين العاديين فحسب، بل حتى أمام عناصر الأمن أنفسهم، الذين لم يكن بمقدورهم تخيل مئات الآلاف من السوريين في ساحة واحدة يهتفون ضد الرئيس ويسخرون منه. 
ومع سقوط صورة الرئيس، سقطت صورة ضابط الجيش والأمن، فضلاً عن صورة عنصر الأمن العادي، فلم يعد الضباط يأمنون الذهاب إلى أعمالهم بعد أن كان مجرّد مرورهم في أي شارع يثير الرعب لدى المواطنين، وأصبح ضباط المخابرات يَظهرون أسرى أو منشقين في فيديوهات مصوّرة، أو أصبح المعارضون يقتحمون مقار الأجهزة الأمنية ويحطّمون الصور والتماثيل التي كانت تمثّل أساس السطوة في نظام الأسد الأب. 
وساهم دخول قوى عسكرية أجنبية مساندة للنظام، وبشكل خاص تلك التي تنتمي إلى مجموعات دون مستوى الدولة مثل حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية، عاملاً أساسياً في تحطيم صورة الجيش والقوى الأمنية حتى لدى مناصري النظام، إذ ظهر الجيش كجهاز ضعيف غير قادر على حماية نفسه، ويحتاج إلى ميليشيات من دول أخرى كي تحميه، وأضحى أفراد هذه الميليشيات أعلى سلطة من أفراد الجيش والأمن، ولا يتورعون عن إهانتهم أمام المواطنين. 
2. تغيّر بنية النظام السياسي وخطابه
تعرّضت التركيبة السياسية للنظام إلى تغيّرات جوهرية غيّرت من شكل التركيبة السياسية لنظام الأسد بالكامل، لتنتقل السيطرة السياسية من الأسد ومجموعة صغيرة من الأفراد من حوله إلى عدد كبير من الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، ويتحوّل الأسد نفسه إلى مجرد فاعل محدود في الحياة السياسية، نتيجة محدودية سيطرته العسكرية والأمنية. 
ظهرت أولى أشكال التغير في التركيبة السياسية في التنازلات الكبيرة التي قدّمها في ملفات أساسية وجوهرية (أو على الأقل كما كانت في عام 2011)، وأهمها ملف قانون الطوارئ، وملف الكرد، وموقع حزب البعث في الدستور، وهي موضوعات كانت تعتبر غير قابلة للتغيير والتعديل. 
ففي يوم 31/5/2011، أي بعد حوالي شهرين ونصف على انطلاق الاحتجاجات الشعبية، قال الأمين القطري المساعد لحزب البعث، محمد سعيد بخيتان: "إن الباب مغلق أمام إلغاء المادة الثامنة من الدستور، التي تجعل من حزب البعث الحزب القائد للدولة والمجتمع"، وأضاف: لقد "قلنا للمعارضين هناك صندوق اقتراع، وإذا وصلتم للحكم وأصبحنا في المعارضة فألغوا المادة، هناك أولويات أخرى غير إلغاء هذه المادة". 
وجاءت تصريحات بخيتان آنذاك بعد تنازلات كبيرة كان النظام قد قدّمها قبل أكثر من شهر فيما يتعلق بقوانين الطوارئ والكرد. ففي 7/4/2011 أصدر الرئيس السوري المرسوم التشريعي رقم 49 القاضي بمنح "الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة"، وفي 21/4/2011 أصدر الرئيس السوري المرسوم التشريعي رقم 161، والقاضي بإلغاء حالة الطوارئ التي فُرضت في 8/3/1963، لتكون بذلك أطول فترة طوارئ في التاريخ المعاصر. وفي اليوم نفسه صدر المرسوم التشريعي رقم 53، الذي ينصّ على إلغاء محكمة أمن الدولة.  
إلاّ أن النظام أدرك أن التضحيات السابقة لم تكن كافية، وأن عليه أن يذهب إلى ما اعتبره التضحية الأقسى في موضوع الدستور، فقال بشار الأسد في خطابه يوم 22/6/2011 إن مناقشة الدستور ممكنة، وطرح "هل نُبدّل بضع مواد من الدستور بما فيها المادة الثامنة أم نبدل كل الدستور على اعتبار أنه مضى على عمر هذا الدستور حوالي أربعين عاماً وربما يكون الأفضل تبديله كاملاً". وبالفعل، تم إصدار دستور جديد لا يتضمن أي إشارة إلى حزب البعث، وتم إقراره في المرسوم التشريعي رقم 94 لعام 2012. 
ورغم أن كل التغيرات القانونية السابقة يمكن تصنيفها في الإطار الشكلي، ما عدا تلك المتعلقة بمنح الجنسية للأكراد الذين جرّدوا منها، حيث جرت معظم أعمال القتل خارج القانون بعد إلغاء قانون الطوارئ، ولم يكن حزب البعث في مكانة مهمة في القوى السياسية أصلاً، ولم يتغير وضعه بعد ذلك، إلا أن هذه الإجراءات كانت ذات مدلولات كبيرة فيما يتعلق بتغير الوضع السياسي للنظام نفسه، وأنه لم يعد قادراً على فرض الإطار الشكلي الذي يريد، ولم يعد قادراً على حماية المكتسبات التي راكمها خلال نصف قرن تقريباً. 
وإلى جانب التغيرات القانونية، شهد الخطاب السياسي تغيّرات جوهرية، فأصبح النظام مضطراً للحديث عن داعميه، والاعتراف باتفاقاتهم مع الآخرين، وقبول ضماناتهم، حتى لو عنى ذلك دخول القوات التركية (العدو اللدود للنظام وفقاً للخطاب الرسمي) إلى الأرض السورية، أو الجلوس مع المعارضة السياسية أو العسكرية.  
ولم يقتصر الضعف الذي انتاب البنية السياسية للنظام على التنازلات الداخلية التي قدّمها، حيث امتدّ هذا الضعف في الأشهر التالية إلى فتح المجال أمام داعميه للتدخل في صناعة القرار للنظام، فأصبح هؤلاء الداعمون، وخاصة الروس والإيرانيون، الأكثر تأثيراً في هذا القرار، وتحوّل نظام الأسد إلى فاعل محلي، يصارع على حصة في اللعبة المحلية، مثله مثل حزب الاتحاد الديمقراطي وفصائل المعارضة.
وتعمّد رعاة الأسد الخارجيين إظهار الأسد ضعيفاً وهزيلاً حتى أمام مناصريه، فبثّ الروس أكثر من مرة فيديوهات بالصوت والصورة تظهر معاملة دونية للأسد داخل سوريا، وعقدوا صفقات مع فاعلين إقليميين (خاصة تركيا والأردن وإسرائيل) وفاعلين دوليين (وخاصة الولايات المتحدة) دون مشاورته. 
وبعد عقود من الجفاف السياسي، أدّت المعطيات التي ولّدتها الثورة إلى تشجيع آلاف من السوريين على الانضمام والمشاركة في الحياة العامة، فأنشئت آلاف المنظمات والتجمعات والأحزاب، إلى جانب مئات أو آلاف من المواقع الإلكترونية التي تهتم بالشأن العام، وأصبح المشهد السياسي السوري يشكو من كثرة الفاعلين بعد أكثر من نصف قرن من التجفيف المتعمّد. 
3. انهيار الرقابة 
حمت وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية نفسها من أي تغيير أو تطوير فرضه التقدّم التكنولوجي في العالم كله، فبقيت هذه الوسائل في إطار برامج الدعاية على النمط الذي كان سائداً في الاتحاد السوفييتي. وإلى جانب ذلك قامت أجهزة الأمن بتأمين المراسلين المحليين لأبرز الإذاعات العالمية المسموعة في سوريا، بحيث يتولى هؤلاء المراسلون إكمال برامج الدعاية التي تقوم بها الوسائل المحلية، وحظرت الوصول إلى المواقع الإلكترونية التي تبث آراء مختلفة، وعملت على اعتقال من يثبت حضورهم لقنوات فضائية معادية، وبذلك فإنّها أبقت فضاء المعلومات ضمن نطاق السيطرة. 
لكن الأحداث التي تلت عام 2011 أظهرت وسائل الإعلام الرسمية في حالة عجز مطلق، فالإعلاميون العاملون فيها تدرّبوا سنوات طويلة على كيفية تنفيذ برامج الدعاية الشمولية برأي واحد، ولم يحصلوا على خبرة في كيفية التعاطي مع حالة مختلفة تماماً، الأمر الذي نقل الإدارة الإعلامية إلى وسائل الإعلام اللبنانية المؤيدة للنظام، التي يمتلك أعضاؤها القدرة على التعاطي مع بيئة الآراء المتنوعة والمتعارضة، وأصبح المحللون اللبنانيون الناطقين عملياً باسم النظام على الفضائيات، مع حضور محدود جداً لنظرائهم السوريين. 
كما اضطرت وسائل الإعلام الرسمية بشكل تدريجي إلى بثّ الأخبار المعادية. ففي 17/6/2011 على سبيل المثال، قام التلفزيون السوري مدة ساعة باستضافة أحفاد صالح العلي ومحللين محليين للرد على تسمية صفحة الثورة السورية لـ"جمعة صالح العلي". كما أصبح من المعتاد بثّ مقاطع المظاهرات التي تنادي بسقوط الأسد، وإن كان في إطار توصيف (المؤامرة الكونية على سوريا الأسد)، أو للحديث عن كونها مظاهرات مسجّلة في مجسمات مصنوعة في الدوحة. 
وإلى جانب انهيار جدران الرقابة الرسمية، ساهمت مشاركة عشرات الآلاف من السوريين في الحراك المعارض، إلى جانب بث ملايين الصور والفيديوهات لهذا الحراك، في كسر الرقابة الذاتية لمعظم السوريين. كما أدّى خروج ملايين من السوريين إلى خارج سوريا أو إقامتهم في مناطق سيطرة المعارضة إلى رفع حواجز الخوف لدى عدد كبير منهم.  

ما الذي تبقى من جمهورية الخوف؟ 
تزايد الحديث عن (انتصار الأسد) منذ بداية التدخل الروسي العسكري في سوريا أواخر عام 2015. وروّج لهذا الانتصار –إضافة إلى ماكنة النظام الإعلامية بطبيعة الحال- مراكز دراسات غربية، وحتى معارضين لنظام الأسد. 
وتستند نظرية "انتصار الأسد" إلى فشل معارضيه في إسقاطه، وانحسار أي احتمالية عملية لرحيل نظامه عن المشهد، وفي احتفاظ النظام طوال الوقت بكل الشرعية القانونية التي يحتاجها لتمثيل البلاد وإدارتها محلياً ودولياً، حتى عندما لم يكن يُسيطر على أكثر من ثُلث مساحتها. 
لكن الطرح الداعم لهذه النظرية يمكن في الغالب أن يُستخدم دليلاً على فشل أدبيات المعارضة، التي استندت إلى فكرة وحيدة تتمثل بإسقاط النظام، دون أن يعني أبداً انتصار النظام بالمقابل، ودون أن يعني بكل تأكيد إمكانية عودة النظام إلى وضع مشابه أو حتى قريب لما كان عليه قبل عام 2011 أبداً. فالنظام الذي كان يملك 100% تقريباً من السيطرة على كل مفاصل الحياة في سوريا، من أرض وموارد وسكان، أصبح شريكاً –في أحسن الأحوال- لفاعلين دوليين وإقليميين في الجزء الذي يقع تحت سيطرتهم، وأصبح الحديث عن رأس النظام أو شكل الجيش أو شكل الدستور.. إلخ أمراً من اختصاص الداعم الروسي، ويمكن للنظام أن يبدي الرأي فيه أو يحاول العرقلة أو المماطلة، لكنه لا يملك الرأي الفصل بكل تأكيد. 
ويُلاحظ أن الأحداث الدولية المفصلية في الملف السوري (مؤتمر جنيف، مؤتمر فينا، قمة سوتشي.. إلخ) لا يحضرها أي من الفاعلين السوريين (النظام، المعارضة، الكرد)، ويترك لهذه الأطراف الصراع فيما بينها على التفاصيل المتبقية من خلال مسارات تفاوضية أو من خلال الأعمال العسكرية. 
ورغم محافظة أجهزة الأمن على وجودها ودورها في المناطق التي لم تخرج عن سيطرة النظام أو تلك التي تعود إلى سيطرته، فإن صورة هذه الأجهزة –مهما بالغت في توحشها- لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها، فالأجهزة نفسها تدرك محدودية قدرتها على التحرّك الجغرافي، إما بسبب المنطقة المجاورة التي تخضع لسيطرة المعارضة، أو لأنها تخضع لسيطرة الشرطة العسكرية الروسية، كما تدرك أن صورة نظامها ورئيسه صورة مهتزة حتى لدى أشد مؤيديه، وأن تحطيمها يتم بشكل مستمر من قبل داعميه الخارجيين قبل معارضيه. 
لقد تمكّن حافظ الأسد من بناء صورته المرعبة على وقع المجازر الدموية الشرسة في حماة وحلب وإدلب، وعلى صيت متوحش لسجن تدمر وفرع فلسطين.. إلخ. لكن هذه المجازر لم تعد قادرة على بناء جدران الخوف مرة ثانية كما كانت في الثمانينيات، فاتساع نطاقها بشكل كبير منذ عام 2011 حتى اليوم، أدّى إلى نتيجة معاكسة، وفقد الموت رهبته. وما لم يُحققه النظام في مجازر الحولة ودير بعلبة والغوطة الشرقية وحلب لن يتمكن بالتأكيد من تحقيقه في مرحلة الحل السياسي.
لكن أخطر ما تبقى من جمهورية الخوف بعد سبع سنوات يتمثّل في منظومة القيم التي ولدتها سنوات الدم والرصاص، والتي لم تتمكن الثورة من إفنائها، بل تحوّلت من شكل إلى آخر. فقد بقي مفهوم الولاء للزعيم، وإن تحوّل من الأسد إلى زعماء محليين أو إقليميين، واستمرّ الكثيرون في تقديم الولاء للجهة المسيطرة والتماشي مع طروحاتها، بغض النظر عن مواقفهم أو قناعاتهم، إلى غير ذلك من قيم خلفتها منظومة حكم الطوارئ.