ترجمات

تقارب إسرائيل قصير النظر مع تركيا

ترجمة للمقال:

Israel’s shortsighted rapprochement with Turkey

على المستوى الرسمي وبعد أكثر من ست سنوات على هجوم إسرائيل على سفنية ((مافي مرمرة)) في المياه الدولية، دفنت تركيا وإسرائيل عداوتهما. 
اعتذرت إسرائيل بالفعل ووافقت على دفع تعويضات لعائلات تسعة أتراك قتلوا في الهجوم (واحد منهم يحمل جنسية أمريكية)، وفي الوقت الذي طلبت فيه تركيا من إسرائيل رفع حصارها على حركة حماس في قطاع غزة، وافق الرئيس رجب طيب أردوغان على صيغة تستطيع تركيا من خلالها زيادة مساعداتها، لكن عبر الميناء الإسرائيلي أشدود وليس مباشرة إلى غزة. سترفع تركيا الفيتو الذي وضعته على مشاركة إسرائيل في المنظمات الدولية مثل الناتو، وكان أردوغان قد وعد ببذل مساعيه لإقناع حماس بإعادة جثث الجنود الإسرائيليين المفقودين في غزة. إضافة إلى ذلك فإن الصفقة توفر إمكانية – نظرية على الأقل- لتعاون تجاري كبير بين إسرائيل وتركيا، خصوصاً فيما يتعلق بالغاز والماء. 
سيقول الدبلوماسيون إنها صفقة جيدة للطرفين. لكنها ليست كذلك. فأردوغان هو الذي أوجد الأزمة، متذرعاً بالعمل الخيري (عبر هيئة الإغاثة الإنسانية التركية المتحالفة مع القاعدة) للمساعدة. 
ولقد انتهت الأمم المتحدة إلى اعتبار اعتراض إسرائيل لسفينة مافي مرمرة في المياه الدولية إجراء قانونياً. تدعم تركيا أيضاً حماس وهي المنظمة الإرهابية التي لا تكتفي فقط بالدعوة للإبادة في ميثاقها التأسيسي وإنما ترفض بشدة أيضاً اتفاقية أوسلو وهي الاتفاقية التي وقعت عام 1993 بين إسرائيل والفلسطينيين كأساس لتأسيس السلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية مقابل الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود وإيقاف الإرهاب. 
وبأقل التقديرات فإن حماس هي منظمة إرهابية لا تتورع عن إطلاق صواريخ على السكان المدنيين على أمل حصد أكبر عدد ممكن من الضحايا. 
فلنضع جانباً مسألة أنه لايمكن لإسرائيل أن تثق بأردوغان، فلقد أثبت الزعيم التركي طيلة سنين أنه على استعداد لتغيير توجهاته وعلى خيانة أي عدد من الاتفاقات. فقط توجَّهْ بالسؤال لأكراد تركيا. 
وبسبب سياسات أردوغان تنامت عزلة تركيا، فعائدات السياحة انهارت وعلاقات تركيا فاترة مع كل جيرانها، كما أن تركيا دولة داعمة للإرهاب، ليس فقط فيما بخص حماس وإنما جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). 
مشكلة أردوغان مع إسرائيل ليست دبلوماسية، وإنما أيديولوجية ودينية، فمن المعروف أن أردوغان معادٍ شديد للسامية. وبموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على بقاء مكاتب حماس في تركيا وبإرجائه مسألة الحصول على ما يثبت صدق نية أردوغان بإجبار حماس على إعادة جثث اليهود الذين قتلتهم، فإن نتنياهو يخلِّص تركيا من ورطتها. قد يلتزم نتنياهو بمواصلة الضغط فيما يتعلق بهذه المسألة، غير أن الأمر المؤكد هو خيانته للعائلات التي كانت تعول عليه.
وباختصار، تبدو إسرائيل اليوم قصيرة النظر كما كانت قصيرة النظر عندما فكرت ببيع الصين تكنولوجيا عسكرية (غير مبالية بأن الصين ترى في الولايات المتحدة خصمها الرئيس)،أو عندما قدمت الدعم لنظام الأبارتيد (الفصل العنصري) البغيض أخلاقياً في جنوب إفريقيا. 
ولنكن صريحين،يبدو نتنياهو منافقاً، فهو مؤلف كتاب "مكافحة الإرهاب؛ كيف بوسع الديموقراطيات هزيمة الإرهابيين المحليين والعالميين"، لكنه يتجاهل التوصيات التي وضعها إلى درجة استرضائه الإرهاب أو مكافأته. تحتاج تركيا إلى إسرائيل أكثر مما تحتاج الأخيرة إل تركيا، لاسيما في الوقت الذي تزدهر فيه علاقات إسرائيل بكل من مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حتى ولو كانت تلك العلاقات من وراء الكواليس. كان من الأفضل لإسرائيل لو دفعت أردوغان كي يشنق نفسه بالحبل الذي صنعه بيده بدلاً من تمكينه؛ هو الذي يعد بمنزلة راعٍ لحماس. وكان من الأفضل لها لو اصطفت إلى جانب الكرد في الوقت الذي يشن فيه أردوغان عمليات قتل وحرق ضد أكراد بلاده، لاسيما وأن قلة من الأكراد فقط يكنون عداءً شخصياً لإسرائيل كماهو حال أردوغان. 
في الحقيقة إن كل ذريعة يستخدمها أردوغان لتسويغ دعمه لحماس يمكن أن تقلب على رأسها لتبرير دعم أكراد تركيا. 
في بعض الأحيان يكون من الأفضل الالتزام بالمبدأ عوضاً عن الجري وراء مصلحة قصيرة الأمد. قد يبتهج الدبلوماسيون اليوم لإنجاز الصفقة، لكن الإسرائيليين والكرد وغيرهم من ضحايا الإرهاب التركي سوف يدفعون حتماً ثمنَ قصر نظر الدبلوماسية الإسرائيلية.