تقرير تحليلي

القضية السورية حصاد عام 2017

تمهيد 
شهد عام 2017 تغيرات دراماتيكية في المشهد السوري، بعد عدّة سنوات من استقرار موازين القوة والسيطرة بين الفاعلين. وكان أبرز ما شهده العام تصدّر الفاعلين الإقليميين الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران، مقابل انسحاب أمريكي متزايد من المشهد، وعلى المستوى المحلي توسّعٌ لسيطرة النظام وقوات سورية الديموقراطية، وتراجع للمعارضة، مع انهيار دراماتيكي لتنظيم داعش، والذي كان يُسيطر في بداية العام على أكبر مساحة في سورية، للسنة الثالثة على التوالي. 
ومما لا شكّ فيه، فإنّ النتائج التي حققها الفاعلون الإقليميون والمحليون كانت حصاداً لمعطيات السنوات السابقة، والتي مكّنتهم من تحقيق إنجازات أو خسائر ميدانية وسياسية. 
ويتناول هذا التقرير حصاد عام 2017 على الصعد السياسية والعسكرية، ويحاول قراءة التغير الذي طرأ على تموضعات الفاعلين خلال هذا العام، ويستقرئ ما يمكن أن تؤول إليه المسارات السياسية والعسكرية في عام 2018. 

أولاً: الحصاد العسكري
شهدت الخريطة السورية تغيرات كبيرة في المشهد العسكري، حيث وسّع النظام السوري من مساحة سيطرته بشكل دراماتيكي، فبعد أن كان يُسيطر على خُمس البلاد تقريباً في بداية العام، أصبح يُسيطر على أكثر من نصفها في نهايته. 
وإلى جانب النظام، وسّعت قوات سورية الديموقراطية من مساحة سيطرتها، لتصل إلى حوالي 25% من الأرض. 
وبالمقابل، كان تنظيم داعش الخاسر الأكبر في المشهد في هذا العام، فتحول من اللاعب الأبرز الذي يُسيطر على حوالي 45% من الأرض إلى واحد من أصغر الفاعلين، بمساحة سيطرة لا تزيد عن 7%. 
كما تراجع نفوذ المعارضة المسلحة هي الأخرى، والتي تراجعت بنسبة طفيفة، لتصل سيطرتها إلى 13% فقط من الأرض، بعد أن كانت في نهاية عام 2012 تُسيطر على أكثر من ثلثي الأرض السورية. 

التدخل التركي
تابعت تركيا في الربع الأول من هذا العام عملية "درع الفرات"، والتي أطلقتها في 24/8/2016، وتوّجت هذه العمليات بالسيطرة على مدينة الباب في 23/2/2017. وأعلن مجلس الأمن القومي التركي في 29/3/2017 عن انتهاء درع الفرات. 
وفي الربع الأخير، دخلت القوات التركية إلى محافظة إدلب، ولكن هذه المرة كقوة مراقبة، ضمن اتفاق مع روسيا وإيران ضمن مسار الأستانة. 
وعلى خلاف ما كان متوقعاً، فلم يحدث أي صدام بين القوات التركية وهيئة تحرير الشام، بل العكس من ذلك، فإنّ هذه القوات دخلت بحماية ورعاية الهيئة، كما أن السلطات التركية لم تقم بالدخول إلى قلب مدن وبلدات المحافظة، ولم تتدخّل في عمل المؤسسات والفصائل. 
لكن امتناع القوات التركية عن الوصول إلى الاثنتي عشرة نقطة تم الاتفاق عليها في الأستانة أدّى إلى قيام الطيران الروسي باستهداف محافظة إدلب منذ بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وما زال الاستهداف مستمراً حتى نهاية العام، في محاولة روسية للضغط على تركيا للقيام بتنفيذ التزاماتها في الأستانة.  
ورغم الحديث عن التوصل إلى تفاهمات روسية-تركية في الجولة الأخيرة من مسار الأستانة بخصوص انتشار القوات التركية في بقية النقاط المتفق عليها، إلا أن هذا الأمر لم يحصل حتى نهاية عام 2017. 

معركة الرقة
شكّلت معركة الرقة الحدث الميداني الأكثر أهمية في سورية خلال عام 2017. وكانت التكهنات بخصوصها قد شغلت الأوساط السياسية في المنطقة، وحتى العالم، منذ بدايات عام 2016، باعتبار أن الرقة هي عاصمة التنظيم ومقره الرئيسي في سورية، وازدادت أهمية المدينة بالنسبة للتنظيم بعد فقدانه السيطرة على الموصل في العراق أواسط هذا العام. 
وقد أعلنت قوات سورية الديموقراطية في 6/6/2017 بدء المعركة الرئيسية على المدينة، وسيطرت على وسطها في 17/10/2017، بدعم مباشر من قوات التحالف الدولي. 
وشاب انتهاء المعركة حدثان رئيسيان، الأول هو قيام قوات سورية الديموقراطية برفع صورة كبيرة لعبد الله أوجلان عند دوار النعيم في الرقة، الأمر الذي نسف كامل الادعاءات الأمريكية حول غياب العلاقة بين حزب الاتحاد الديموقراطي وحزب العمال الكردستاني، بل وتقديم قوات سورية الديموقراطية باعتبارها كياناً عابراً للقوميات. أما الثاني فهو الانسحاب المفاجئ لمقاتلي داعش من قلب المدينة بحماية قوات سورية الديموقراطية وقوات التحالف، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات واسعة حول الوجهة التي ذهب إليها المقاتلون المنسحوبون، والاتفاق الذي تم معهم. 

مسار الأستانة يغيّر الوضع
انطلق مسار الأستانة في الشهر الأول من عام 2017، واختتم جولته الثامنة في الشهر الأخير منه. وخلال هذه الفترة تمكن من تحقيق "وقف للتصعيد"، وهو ما ترك أثره على الأرض، حيث انخفضت معدّلات الضحايا بشكل ملحوظ، رغم الخروقات الواسعة له. 
وعلى خلاف مسار جنيف، اتصف مسار الأستانة بالطابع العملي والفني، حيث تعمل الفرق العسكرية والأمنية للدول الضامنة الثلاث بشكل مباشر على دراسة الخرائط وتقسيمها، وتحديد الأدوار فيها، فيما تغيب المشاركة السورية الفعلية، سواء من طرف الحكومة أو فصائل المعارضة، ويقتصر دور الفاعلين السوريين عملياً على إقرار ما تتوصل إليه الدول الثلاث. 
ومع الإعلان عن ملتقى سوتشي في الجولة الأخيرة من الأستانة، بدا وكأن المسار ذا الطابع العسكري سيأخذ منحى سياسيا، وربما يدخل كبديل أو منافس لمسار جنيف، خاصة وأنه يمتلك شقاً عسكرياً فاعلاً، على خلاف مسار جنيف. 
المشهد الفصائلي
شهدت بداية عام 2017 ولادة "هيئة تحرير الشام"، والتي جاءت كتحوّل نوعي لجبهة النصرة، على خلاف التحول السابق. فضمّ التشكيل الجديد مكونات لم تكن جزءاً من النصرة من قبل، ووضِع على رأسه قائداً سابقاً لحركة أحرار الشام، المنافس الأبرز للتشكيل الجديد. 
لكن هذا التحالف لم يتمكن من الاستمرار بالشكل الذي بدأ به، وخسر في النصف الثاني من العام معظم الوافدين الجدد إلى عباءة النصرة، بمن فيهم قائد التشكيل نفسه، وعاد إلى شكلٍ يُشبه جبهة النصرة، ولكن باسم وعَلَمٍ مختلف، والأهم من ذلك سياسة مختلفة، تعتمد العمل خلف الستار لا أمامه، وتتبنى براغماتية سياسية تعارض أيديولوجياتها السابقة!. 
وكان من أبرز ما قام به هذا التشكيل قبل تفككه أن أخرج مقاتلي تنظيم جند الأقصى، الموالي لتنظيم داعش، من إدلب وما حولها باتجاه الرقة، بعد معارك طاحنة، واستهدف حركة أحرار الشام، وصادر منها معظم مواردها وقوتها، فتحولت الحركة إلى مكوّن صغير محدود التأثير، بعد أن كانت في بداية العام واحدة من أهم تشكيلات الفصائل على المستوى السوري ككل. 
واستمرت طائرات التحالف المسيرة عن بعد في استهداف شخصيات قيادية في هيئة تحرير الشام ومجموعات أخرى، وتوازت أعمال الاستهداف مع سلسلة غامضة من الاغتيالات لشخصيات عسكرية وشرعية في الهيئة. 

ثانياً: الحصاد السياسي
لم يشهد المسار السياسي أي اختراق عملي خلال عام 2017، واتصف أداؤه بالثبات السلبي، إذ لم تُطرح هذا العام أي مبادرات للحل، وربما تكون الدعوة إلى ملتقى سوتشي الاستثناء الوحيد في هذا السياق. ولم يشهد العام أي لقاءات بين وزيري الخارجية الأمريكي والروسي حول الوضع في سورية كما كان الحال في الأعوام السابقة، ولم تُحقق جولات المفاوضات في جنيف بدورها أي تقدم يذكر. 
الفاعلون الدوليون
عملت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي تولّى الحكم في بدايات عام 2017، على الانسحاب بصورة أكبر من القضية السورية، وأصبح الاهتمام الأمريكي مركزاً بشكل مطلق تقريباً على المناطق الشرقية والجنوبية حصراً، وخفّضت الولايات المتحدة من مستوى تمثيلها الدبلوماسي في كل المتلقيات المتعلقة بسورية. 
لكن هذا التراجع الأمريكي شهد استثناء واحداً، لكنه كان نوعياً ضمن السياسية الأمريكية تجاه القضية السورية منذ انطلاقتها في عام 2011. فبعيد مجزرة خان شيخون يوم 4/4/2017، والتي أدّت إلى مقتل حوالي 100 شخص باستخدام صواريخ محمّلة بغازات سامة، قامت الولايات المتحدة بقصف مطار الشعيرات يوم 7/4/2017، ليكون هذا أول استهداف أمريكي للنظام السوري منذ بداية القضية!.
لكن استهداف الشعيرات لم يكن المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة والنظام. ففي 18/6/2017 قامت القوات الأمريكية بإسقاط طائرة حربية سورية قرب الطبقة، عندما كانت هذه الطائرة تحاول استهداف مواقع لقوات سورية الديموقراطية، كما قامت القوات الأمريكية عدة مرات باستهداف أرتال للنظام ولميليشيات مدعومة إيرانياً قرب التنف. لكن هذه الاستهدافات فُهمت كرسائل تتعلق بالاتفاق الأمريكي-الروسي حول تقاسم النفوذ في المنطقة، ولا تخص النظام السوري مباشرة!.  
ومثّل التمديد لعمل "لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية" موضع نزاع في أروقة مجلس الأمن بين روسيا من جهة، والمجموعة الدولية من جهة أخرى، وأدّى هذا النزاع إلى استخدام روسيا مرتين لحق النقض لمنع تمديد عمل اللجنة، قبل أن يتم التوصل في نهاية العام لتسوية سمحت بتمديد التفويض الدولي للجنة.
وقد أدّى تراجع الموقف الأمريكي في هذا العام، ومعه الموقف الأوروبي، إلى توسّع في النفوذ الروسي، إلى جانب النفوذين التركي والإيراني. خاصة مع انسحاب فاعلين إقليميين آخرين، وأهمهم السعودية وقطر. 
المعارضة السورية
شكّل مؤتمر الرياض 2 الحجر الوحيد الذي ألقي هذا العام في مياه المعارضة الراكدة. وأسفر المؤتمر عن نهاية "الهيئة العليا للمفاوضات" وولادة وفد تفاوض بلا مرجعية مؤسساتية كسابقه. 
وتراجع في هذا العام دور الائتلاف الوطني بشكل متزايد، نتيجة لعوامل الضعف التي كانت تكتنف عمله من قبل، ونتيجة لانسحاب عدد من الأطراف الفاعلة من المشهد السوري. ولم يُسجّل الائتلاف أي حضور فاعل في المشهد السياسي هذا العام. 
وأدّت ولادة حكومة الانقاذ في إدلب في الربع الأخير من العام إلى إنهاء تواجد الحكومة المؤقتة هناك، وقامت حكومة الانقاذ بوقف كل مشاريع الحكومة المؤقتة، وفرضت قيوداً على تحرّك وزراء الحكومة المتواجدين في منطقة إدلب، وهو ما يعني عملياً أن الحكومة المؤقتة قد خسرت أكبر ساحات تواجدها، وفقدت الكثير من قدرتها على إثبات نفسها للداعمين. 
مسار جنيف
شهد مسار جنيف في عام 2017 انعقاد أربع جولات له، في أكبر عدد من الجولات يشهدها المسار في عام واحد. إلا أن جميع هذه الجولات لم تُحقق أي تقدم يُذكر. واقتصرت عملياً على مواجهات ومناوشات سياسية بين وفدي النظام والمعارضة، ومحاولات من المبعوث الأممي للوصول إلى نقاط توافق بين الجانبين حول ما ينبغي نقاشه أولاً، وما ينبغي استثناؤه من النقاش. دون التوصل إلى نتائج ملموسة في هذا المجال. 
لكن المسار ككل واجه هذا العام تحدّيان رئيسيان، جاء الأول من العاصمة الكازاخستانية، والتي احتضنت مساراً موازياً برعاية الفاعلين الأكثر تأثيراً على الأرض، وبمشاركة الفصائل العسكرية وحدها. وتمكّن هذا المسار من إحداث تغيرات ملموسة على الأرض، في الوقت الذي لم يتمكن مسار جنيف من إحداث هذا النوع من التغيير، لأنه لا يملك أدواته أصلاً. 
وجاءت الدعوة إلى ملتقى سوتشي في الجولة الأخيرة من الأستانة لتكون بمثابة إعلان عن انطلاق مسار سياسي آخر، بما يُشكّل تهديداً مباشراً لمسار جنيف، خاصة وأن رعاة هذا الملتقى هم من يملكون حالياً قدرة فرض الحلول العسكرية منها والسياسية. 
أما التحدي الثاني فتمثّل في تراجع اهتمام الفاعلين الدوليين الداعمين لمسار جنيف، وأهمّهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذين خفّضوا تمثيلهم في هذا المسار إلى أدنى درجاته، وتوقفوا عن ممارسة أي ضغوطات على الجانب الروسي، الأمر الذي ترك وفد المعارضة أمام خيارات محدودة، وأصبح الرفض والانسحاب ورقته التفاوضية شبه الوحيدة.  

سورية 2018 إلى أين؟ 
مثّل عام 2017 عاماً لحصاد الفاعلين الميداني لنتائج تحركاتهم خلال الأعوام السابقة، فتمكن بعض الفاعلين من تحقيق إنجازات ملموسة، فيما تراجع فاعلون آخرون بشكل ملفت، وتغيّر شكل خريطة السيطرة خلال العام بصورة كبيرة جداً. 
ويعتقد أن عام 2018 سيكون عاماً للحصاد السياسي، حيث يسعى الفاعلون الرابحون ميدانياً إلى تحويل إنجازاتهم على الأرض إلى اتفاقات سياسية، تمكّنهم في الأعوام المقبلة من تحقيق إنجازات اقتصادية من خلال عمليات إعادة الإعمار. 
على المدى المنظور، يتوقع لمسار الأستانة الاستمرار، كما يتوقع له أن يواصل تحقيق نتائج ملموسة في جلب الاستقرار ووقف إطلاق النار في المناطق التي يتعامل معها. 
وقد يُشكّل ملتقى سوتشي، المزمع عقده نهاية شهر كانون الثاني/يناير، بداية لمسار سياسي جديد، تغيب فيه ثنائية المعارضة والنظام، وهي الثنائية التي طبعت مسار جنيف منذ بدايته في عام 2012، ويغيب فيه الفاعل الدولي، وخاصة الأمريكي، لصالح الفاعلين الإقليمين الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران.
وإذا ما تمكن ملتقى سوتشي من إحداث اختراق سياسي ما، أو تحوّل إلى مسار بحد ذاته، فإنّ مسار جنيف سيكون أمام خطر الانتهاء أو التحول إلى ساحة لاعتماد التوافقات المنتجة في الأستانة وسوتشي، بدلاً من إنتاجها. 
ومع وصول تنظيم داعش إلى نهاياته في سورية، فإنّ من المتوقع أن يشهد عام 2018 مزيداً من التوتر بين حزب الاتحاد الديموقراطي وبين النظام، وقد يؤدّي هذا التوتر إلى انتهاء فترة الهدنة بين الطرفين، والتي استمرّت منذ عام 2012 وحتى الآن. 
لكن انتهاء الهدنة لا يعني بالضرورة تمكّن النظام، ومعه إيران بطبيعة الحال، من إنهاء الإدارة الذاتية الكردية، أو حتى تقليص مساحات سيطرتها. إذ سيعتمد هذا الأمر على موقف الولايات المتحدة من الكيان الكردي، وما إذا كانت ستستمر بدعم قوات سورية الديموقراطية بعد انتهاء الحرب على داعش، وما إذا كانت ستمنح الكيان الكردي غطاء سياسياً يمنع استهدافه من قبل النظام أو أي طرف آخر. كما يعتمد الأمر على الموقف التركي، فإذا ما اختارت تركيا القيام بعمل عسكري تجاه المناطق الكردية، بالتنسيق مع إيران، وبالتوازي مع استهداف عسكري مماثل من طرف القوات الداعمة للنظام، فإنّ الكيان الكردي سيواجه أزمة حادة. 
ولا يبدو على المدى المنظور أن المعارضة سوف تتمكن من تحقيق اختراقات ميدانية أو سياسية خلال عام 2017، وقد تشهد مساحة سيطرتها انحساراً جزئياً، لكنها ستحافظ على نقاط سيطرتها الأساسية، بفضل التوافقات الدولية لا بفضل قوتها العسكرية.