تقرير تحليلي

الفيلق الخامس الفاعلية العسكرية والمستقبل المتوقع

تمهيد
يعدّ تشكيل الفيلق الخامس في تشرين الثاني / نوفمبر 2016 علامة فارقة في مسار التدخل العسكري الروسي في سورية(1)، فقد أعطت هذه الخطوة دلالة واضحة على أن موسكو لن تكتفي بدعم الفرق العسكرية للنظام السوري والتشكيلات المرتبطة بإيران من الجو، وإنما تفكر بأبعد من ذلك، أي قيادة العمليات البرية، والإشراف عليها بشكل مباشر، دون الحاجة للاعتماد على التشكيلات التي تُديرها إيران.
وأصبح الفيلق الخامس منذ تأسيسه الذراع الروسية العسكرية على الأرض، حيث ارتبط مباشرة بقاعدة حميميم، وبات يتحرك بموجب القرار الروسي، وبشكل منفصل عن وزارة الدفاع التابعة للنظام السوري.
واستلهم الفيلق في تأسيسه نموذج الحشد الشعبي العراقي بطريقة واضحة، مع غياب العنصر الأيديولوجي الذي طبع الحشد. 
وشكّلت معارك إدلب الأخيرة أول اختبار حقيقي للفيلق، بعد حوالي ثلاث سنوات من تأسيسه. وقد ظهر الفيلق في هذه المعارك بأداء هزيل، رغم كثافة الدعم الجوي المقدّم له، وعدم دخول فصائل المعارضة إلا ببعض قواتها في المعركة.
وسنعمل من خلال هذا التقرير على تسليط الضوء على أسباب تشكيل روسيا لهذا الفيلق، والإمكانيات التي تم توفيرها له، وتقييم أدائه العسكري في المعارك التي خاضها، وخاصة المواجهات الأخيرة مع فصائل الشمال السوري في ريف حماة خلال شهر أيار/مايو 2019، إضافة إلى محاولة استشراف السيناريوهات المستقبلية لمصير هذا التشكيل العسكري.

أولاً: توصيف الفيلق الخامس
أطلقت وسائل إعلام النظام السوري حملة دعائية كبيرة من أجل الترويج للفيلق الخامس قبيل شهر من تأسيسه، وبكلفة إجمالية لهذه الحملة فاقت 100 مليون ليرة سورية، شملت إرسال رسائل نصية للمشتركين السوريين في شركات الاتصال الخلوية.
ورغبة من النظام في حشد أكبر عدد ممكن من المتطوعين ضمن الفيلق، فقد أعطى ميزات إضافية للموظفين الحكوميين الراغبين بالالتحاق في صفوفه، عن طريق تقديم رواتب لهم مقابل تطوعهم، واستمرار حصولهم على الرواتب والميزات المالية من وظائفهم الأساسية، كما أبقى النظام على الهويات المدنية للمتطوعين في صفوف الفيلق، ولم يسحبها منهم على غرار ما يفعله في التجنيد الإلزامي.
ولقي الالتحاق بالفيلق اقبالاً كبيراً في صفوف الموالين للنظام، بسبب الرواتب الكبيرة مقارنة مع باقي التشكيلات الأخرى، والتي تتراوح بين 70-130 ألف ليرة سورية شهرياً، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف رواتب العاملين في المؤسسة العسكرية.
وسهّل النظام السوري التحاق الشبان بالفيلق من خلال صرف النظر عن معاقبة المتخلفين عن الخدمة الإلزامية في حال قرروا الالتحاق بالتشكيل الجديد.
وقُدرت أعداد الفيلق الخامس في الأشهر الأولى لتأسيسه بقرابة 10 آلاف مقاتل، ومع انتهاء عام 2018 والتحاق تشكيلات عسكرية كاملة بالفيلق كانت ضمن معسكر الجيش الحر، تقدر أعداده حالياً بحوالي 14 ألف مقاتل متوزعين في درعا والقنيطرة وريف دمشق وريف حماة وريف اللاذقية وريف حمص.
وزودت روسيا الفيلق بعشرات الدبابات من طراز "T62"، ومدرعات BMP1، بالإضافة إلى سيارات ناقلة للجند من نوع "زيل"، وعربات متطورة محملة بصواريخ من طراز كورنيت بعيدة المدى، تصل مسافتها إلى 8 كيلومتر، تعطي الفيلق القدرة على استهداف طرقات الامداد خلال العمليات العسكرية(2) .
ويحظى الفيلق الخامس بدعم جوي لا محدود من قبل قاعدة حميميم الروسية، حيث يسبق تمهيد الطيران الناري الكثيف أي عملية تقدم برية لمقاتلي الفيلق، مما يسهل مهمتهم بشكل كبير.
وتعاقب على قيادة الفيلق كل من اللواء زيد الصالح نائب قائد الحرس الجمهوري سابقاً، ويقوده حالياً العميد "أحمد كحلة"، بعد أن أوفدت روسيا "الصالح" في مهمة إلى دير الزور.

ثانياً: الدوافع الروسية لتشكيله
من خلال دراسة السلوك الروسي مع الفيلق الخامس طيلة السنوات الثلاث الماضية، يمكن تحديد خمسة أهداف أساسية كامنة خلف تشكيله وهي: 
1. إعادة تشكيل مؤسسة الجيش
لم تكن فكرة إنشاء الفيلق الخامس خطوة منفردة على ما يبدو، إذ كانت روسيا تسعى لتكرارها في حالة نجاح تجربة الفيلق الخامس، بغية تشكيل فيالق أخرى جديدة، وإعادة هيكلة الفيالق القديمة. 
وتهدف هذه الخطوة إلى إعادة بناء مؤسسة الجيش ليكون ولاؤه روسياً خالصاً، ويصبح ضمانة لمصالحها المستقبلية في سورية، على غرار استثمار الولايات المتحدة في جيوش دول أخرى. 
ويبرر هذا الهدف الاستثمار الروسي الكبير في الفيلق الخامس حتى الآن. لكن المخرجات الضعيفة لهذا الاستثمار حتى الآن أعاقت على ما يبدو الخطط الروسية لتوسيع مشروع إعادة بناء الجيش، ودفعها منذ نهاية عام 2017 للتركيز بصورة أكبر على الاستثمار في الضباط الصغار من مختلف قطاعات الجيش، والذين يتم ابتعاثهم إلى روسيا بكثافة. 
2. الخسائر البشرية للوحدات العسكرية الرسمية للنظام السوري وتآكلها
لا توجد إحصائيات دقيقة تكشف عن العدد الحقيقي للقتلى في صفوف قوات النظام الرسمية، بسبب سياسة التعتيم الإعلامي التي يتبعها النظام بهذا الخصوص. إلا أن المبعوث الرئاسي الأمريكي للتحالف الدولي "بريت ماكغورك" كان قد قدّر في عام 2016 عدد القتلى في صفوف جيش النظام بحوالي 90 ألف قتيل، مشيراً إلى أن هذا الرقم يشمل فقط الموثقين بالاسم وليس المفقودين أو مجهولي المصير(3) ، فيما رفعت مصادر أخرى في عام 2019 هذا الرقم إلى 125 ألف قتيل، ومن ضمنهم قتلى الميليشيات المساندة له من جنسيات مختلفة(4)
لكن المرجح أن تصل أعداد القتلى الحقيقية إلى أعلى من ذلك بكثير، حيث وصلت خسائر النظام في بعض الحالات إلى فقدان تشكيلات عسكرية كاملة بين قتيل وجريح وأسير ومنشق، كما حصل مع (الفرقة 17) في الرقة عام 2014، عندما تعرضت لحصار طويل وهجمات متلاحقة من حركة أحرار الشام، ثم تمكّن تنظيم داعش لاحقاً من دخول معاقلها الأساسية في مدينة الرقة، و(اللواء 93) التابع لها في بلدة عين عيسى.
وبالإضافة إلى عدد القتلى، فإن المؤسسة العسكرية للنظام فقدت الآلاف من الضباط والمجندين خلال عمليات الانشقاق الفردية والجماعية طيلة السنوات الثمان الماضية، وهذه الحالات أيضاً لا يوجد تقدير دقيق لها، لكن تقريراً صادراً عن قيادة الجيش السوري الحر في عام 2014، كشف عن تجهيز النظام السوري لمذكرة بحث بحق 189 ألف ضابط وجندي منشق(5)، يضاف لها حالات الامتناع الجماعي عن الالتحاق بالخدمة، حيث تقدر أعداد أبناء محافظة السويداء فقط الرافضين التجنيد الإجباري بما لا يقل عن 30 ألفاً(6) .
وأدّت حالة الاستنزاف البشري للجيش من جهة، واتساع القتال على رقعة جغرافية كبيرة من جهة أخرى، إلى عجز الجيش عن مواجهة المتطلبات الميدانية. الأمر الذي تطلب البحث عن آليات لتوسيع دائرة التجنيد، بعيداً عن الأساليب الكلاسيكية القائمة على الملاحقة والجبر.  
ساعدت آلية التجنيد المرنة في الفيلق الخامس على تأمين البديل البشري اللازم، وتم تدعيم هذه الآلية بمغريات مادية مجزية، الأمر الذي استقطب مجندين لم يكن بإمكان المؤسسة الرسمية الوصول إليهم. 
3. تنظيم القوات الرديفة والتخلص من الحالة الميليشياوية
عند بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية نهاية أيلول/سبتمبر 2015، كانت الحالة الميليشياوية متفشية بشكل كبير بديلاً عن الوحدات العسكرية النظامية، رغبة من النظام، وبتشجيع إيراني، في تعويض خسائره وحشد أكبر عدد من مؤيديه ضمن "الدفاع الوطني"، وإنشاء بيئة مريحة لـ 23 ميليشيا شيعية استقدمتها إيران من العراق وأفغانستان ولبنان(7) .
سعت روسيا للملمة ما يُعرف بـ "الدفاع الوطني"، وهي عبارة عن كتائب محلية تنحدر من القرى والبلدات الموالية ضمن تشكيل واحد، بهدف ضبط السلاح وتحقيق فاعلية عسكرية أكبر، حيث أن كثرة التشكيلات المقاتلة على الأرض واختلاف مرجعيتها العسكرية والسياسية سيؤدي حتماً لخفض فاعليتها القتالية، وخلق حالة من الفوضى، وهي حالة لا تنسجم مع المدرسة العسكرية الروسية، على خلاف نظيرتها الإيرانية.
وبالتوازي مع إنهاء الدفاع الوطني، عملت روسيا على إنهاء كل المظاهر الميليشياوية، وحصر الميليشيات الأجنبية التي تُشرف عليها إيران في مناطق محددة، وإلغاء مظاهرها وتواجدها خارج هذه الأماكن.
4. انتزاع القرار الميداني من إيران
استحوذت إيران على القرار العسكري الميداني منذ تدخلها في وقت مبكر لإنقاذ النظام السوري، عن طريق الزج بعشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة من جنسيات مختلفة في معارك سورية، وأبرزها حزب الله اللبناني.
وتمكنت إيران عن طريق تلك القوات الموالية لها من تحديد زمان ومكان المعارك، كمعركة القصير عام 2013 ومعركة الزبداني عام 2016 ثم معركة القلمون.
سعت روسيا شيئاً فشيئاً إلى التحرر من الارتهان للقوات الإيرانية على أرض الواقع، عن طريق تشكيل الفيلق الخامس، ليصبح ذراعاً عسكرياً ميدانياً مدعوماً بغطاء جوي من الطيران الروسي.
وقد استخدمت روسيا الفيلق الخامس لاحقاً في معارك الغوطة الشرقية ودرعا بشكل أقل، وفي معارك شرق سكة الحجاز بريف حلب وإدلب في شهر كانون الثاني / يناير 2018، وفي معارك ريف حماة وريف اللاذقية الحالية، وسط غياب الحضور الرسمي للميليشيات الإيرانية البارزة مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء ولواء فاطميون، والتي كانت الخيار الوحيد العملي على الأرض قبل إنشاء الفيلق الخامس، في ظل الفاعلية المحدودة لجيش النظام. 

5. رسالة تطمين روسية
سعت روسيا من خلال تشكيل الفيلق الخامس كقوة موالية للنظام، وغير مرتبطة بإيران في نفس الوقت، إلى توجيه رسائل تطمينيه إلى مختلف الدول التي تعارض الانتشار الإيراني في سورية، وأبرزها إسرائيل والسعودية وحتى الإدارة الأمريكية، حيث قدّمت روسيا لهذه الدول التزامات بتحجيم الوجود الإيراني، وحصلت مقابل هذا الالتزام على أثمان سياسية وميدانية كبيرة.
وفي كل مرة أرادت روسيا شن عمليات عسكرية سعت إلى تصدير الفيلق الخامس وقوات النمر بقيادة سهيل الحسن، للتأكيد على غياب الميليشيات الإيرانية أمام الدول الفاعلة والمؤثرة، وقد حصل ذلك خلال الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية في مطلع عام 2018، والحملة على الجنوب السوري في صيف العام ذاته، والحملة الحالية على حماة واللاذقية، حيث لم تسجل الميليشيات الإيرانية حضوراً رسمياً في الغوطة وريف حماة، في حين تخفت ضمن فرق جيش النظام السوري النظامية خلال معارك الجنوب السوري.
6. إيجاد تشكيل عسكري لا يتبع مباشرة لمؤسسة النظام بهدف استقطاب الشباب السوري
استفادت روسيا من إيجاد تشكيل عسكري لا يتبع بشكل مباشر إلى مؤسسة النظام السوري في عملية استقطاب الشباب ضمن صفوفه، حتى من كان منهم ضمن صفوف الجيش السوري الحر، حيث ضمت إليه تشكيلات كاملة خلال اتفاقيات التسوية مع فصائل ريف حمص ودرعا، كجيش التوحيد في تلبيسية وقوات شباب السنة في بصرى الشام بدرعا، الأمر الذي وسّع حاضنة التجنيد. 
كما أن الإشراف الروسي المباشر على هذا التشكيل ساهم في تسويقه ضمن أوساط الحاضنة المؤيدة للنظام، بعد أن فقدت الثقة تقريباً بالمؤسسة العسكرية الرسمية جراء الهزائم التي لحقت بالجيش في الفترة من 2011-2015، واقتراب جيش الإسلام من الغوطة الشرقية بعد سيطرته على جبال دمشق.


ثالثاً: تقييم الأداء 
تعد العمليات العسكرية الحقيقة التي شارك فيها الفيلق الخامس محدودة جداً، ففي جنوب سورية وخلال الحملة الروسية شهر حزيران/يونيو 2018، كانت الفرقة الرابعة هي رأس الحربة في هذه المعارك، بالإضافة إلى لواء أبي الفضل العباس وكتائب حزب الله الذين انخرطوا ضمن الفرقة، في حين لعب الفيلق دور القوات المساندة المكلفة بالإمساك بالأرض بعد تقدم قوات الفرقة، كما أنه ساند قوات النمر التي اعتمدت عليها روسيا في حملتها على الغوطة الشرقية شهر شباط/فبراير 2018.
واستخدمت روسيا الفيلق الخامس كقوة برية للتوغل في مناطق شرق سكة الحجاز مطلع عام 2018، وكان الاعتماد بالدرجة الأولى على كثافة القصف الجوي في قرى ريف حلب الجنوبي وريف إدلب الشرقي المكشوفة أمام الطيران، كونها سهلية والمنازل السكنية فيها بسيطة لا طابقية، في حين جرى الاعتماد على قوات النمر في اقتحام بلدة ومطار أبو الضهور.
وتعتبر المعركة الحالية التي يخوضها الفيلق الخامس في ريف حماة الشمالي وريف اللاذقية أول اختبار عسكري حقيقي، حيث تعتمد روسيا عليه بشكل أساسي في معارك سهل الغاب وكفرنبودة وتلة كبانة، مع مساندة بسيطة من الفرقة الرابعة.
وتمكنت قوات الفيلق من التوغل في بعض البلدات المكشوفة والساقطة نارياً، مثل قلعة المضيق التي تُطل عليها القلعة الأثرية والتي تتمركز فيها قوات النظام السوري بالأصل. وتطلب دخول الفيلق إلى هذه المناطق أكثر من 955 طلعة جوية روسية وقرابة 130 طلعة للطيران المروحي. 
ورغم هذا الاسناد الجوي الكثيف، تكبد الفيلق قرابة 70 قتيل في معارك كفرنبودة وحدها، بالإضافة إلى خسارته 13 آلية بينها 7 دبابات. وخسر الفيلقُ البلدة لصالح فصائل الشمال السوري بعد توقف طلعات الطيران الروسي، قبل أن يدخلها مجدداً عندما عادت هذه الطلعات، وما زالت سيطرته عليها هشة.
وقُتل قرابة 50 عنصراً من الفيلق الخامس في كمائن نفذتها الفصائل العسكرية قرب حرش الكركات في سهل الغاب في الفترة الممتدة بين 11 و25 أيار/مايو، إضافة لخسارته قرابة 12 آلية عسكرية متنوعة بينها 5 دبابات.
ووصل عدد قواعد إطلاق الصواريخ المضادة للدروع التي خسرها الفيلق خلال المعارك بريف اللاذقية وريف حماة إلى 8 قواعد تم تدميرها بواسطة صواريخ موجهة، كما أنه فقد 16 صاروخاً من طراز كورينت لصالح جيش العزة التابع للجيش السوري الحر، بعد أن تركها عناصر الفيلق في كفرنبودة عند انسحابهم منها في 22 أيار/مايو(8) .
ولم يتمكن الفيلق الخامس من اقتحام تلة كبانة بريف اللاذقية بعد 8 محاولات متكررة في الفترة الممتدة بين 10 و25 أيار/مايو، رغم الغطاء الناري الكثيف من الطيران الروسي والسوري وسلاح المدفعية، وخسر على أبواب البلدة المتموضعة على تلة عالية قرابة 80 ضابطاً وعنصراً، الامر الذي أجبر روسيا على إسناد مهمة اقتحامها إلى تشكيلات الفرقة الرابعة، ثم إلى قوات النمر دون تحقيق نتائج.
ولا توجد أرقام دقيقة عن عدد الجرحى في صفوف الفيلق خلال المعارك الجارية حالياً، لكن التقديرات تشير إلى أن العدد يتراوح بين 650 و700 مقاتل.
ويمكن تلخيص أسباب الأداء العسكري الهزيل للفيلق الخامس بـ:
1. هيكلية الفيلق
تأسس الفيلق الخامس من كبار في السن نسبياً، حيث تصل أعمار المقاتلين إلى 50 عاماً، وبينهم الموظفين المتطوعين، والضباط وصف الضباط المتقاعدين أو المسرحين، وتم إخضاعهم لدورة قتالية قصيرة مدتها شهر واحد فقط، كما استقطبت تشكيلات الدفاع الوطني المحلية المشهورة بفسادها، والتي تأسست لإحكام السيطرة باسم النظام على بعض القرى والبلدات، وهي رغم بطشها في السنوات الماضية إلا أنها لم تشارك فعلياً في جبهات القتال.
وهو بذلك أصبح أقرب للحشد الشعبي والتعبئة العامة، التي يفتقد أعضاؤها للاحترافية والتمرس في القتال، ولم تتم مراعاة استقطاب الاختصاصات العسكرية في عملية الضم.
2. غياب العقيدة القتالية
استقطب الفيلق المتطوعين عن طريق المغريات المالية، كما شكّل الفيلق حلاً وسيطاً للمتخلفين أو الممتنعين عن الخدمة العسكرية والرافضين الالتحاق بتشكيلات النظام الرسمية، وبالتالي فإن نوعية المقاتلين المنضمين له بعيدة عن العقائدية التي تمتاز بها الميليشيات المرتبطة والمدعومة إيرانياً، أو حتى مقاتلي الفرقة الرابعة.
وقد تعود المقاتلون المنضوون ضمن الفيلق على التمهيد الكثيف لسلاح الجو الروسي قبل أي توغل بري، الأمر الذي ساهم في خفض فعاليتهم القتالية في الميدان.
3. استقطابه لعناصر المصالحات
فتحت روسيا باب الانضمام للفيلق الخامس أمام عناصر المصالحات الذين جرى التوقيع على تسويات معهم في درعا وريف دمشق وريف حمص، حيث فضل هؤلاء العناصر الذين كانوا يتبعون للجيش الحر الانخراط في صفوف الفيلق مقابل تسليم مناطقهم دون قتال، لكنهم في الغالب بقوا في مواقعهم ولم يشكلوا إضافة عسكرية للفيلق على غرار ما حصل مع قوات شباب السنة التي يقودها أحمد العودة، وجيش التوحيد الذي يقوده منهل صلوح. وحتى من قبل منهم الخروج في مهمات قتالية لن تكون عزيمته وإصراره على القتال كما العناصر الموالية للنظام، فهؤلاء قد أمضوا السنوات الماضية في القتال على الطرف الآخر، وبالتالي فإنه لا يتوقع منهم الانتقال للضفة الأخرى تماماً، مهما كانت دوافع التحاقهم بالفيلق. 
وقد وردت أنباء عن تصفية ضباط النظام لبعض عناصر المصالحات الذين التحقوا بالفيلق ورفضوا القتال بعد زجهم في جبهات حماة وريف إدلب.
4. غياب التنظيم العسكري الحقيقي
عملت روسيا على تأطير تشكيلات "الدفاع الوطني" ضمن الفيلق الخامس للتغلب على الحالة الميليشياوية وتنظيم العمل المسلح الرديف ضمن تشكيل واحد، لكنها وقعت بفخ ضم تشكيلات ومجموعات كاملة في الفيلق دون صهرها ودمجها بشكل احترافي تحت قيادة عسكرية موحدة، ومن أجل ذلك جرى اعتماد ما يسمى بـ "رتب الشرف"، والتي مُنِحت لزعماء الميليشيات المحلية الذين انخرطوا مع مجموعاتهم ضمن الفيلق، الأمر الذي أثر على الانسجام والتنسيق بين مكوناته، وأحدث نوعاً من اللوبيات المتعددة ضمن جسم الفيلق. 
وقد شهدت المعارك الأخيرة في بلدة كفرنبودة أخطاء عسكرية عديدة لمجموعات الفيلق، حيث استهدفوا نارياً مواقع تتبع لقوات النمر عن طريق الخطأ.

رابعاً: مآلات المستقبل
1. حل الفيلق بعد انتهاء مهمته
قد تقوم روسيا والنظام السوري بحل الفيلق الخامس بعد انتهاء الأعمال القتالية في سورية، والوصول إلى مرحلة الحل السياسي، على غرار ما حصل مع الكثير من تشكيلات الدفاع الوطني التي سرّح النظام أفرادها، بل ولاحقهم واعتقلهم عندما تمردوا على القرار.
ومن العوامل التي قد تدفع روسيا والنظام السوري إلى مثل هذه الخطوة عدم رغبة روسيا في الاستمرار بالإنفاق على عناصر الفيلق ودفع رواتبهم العالية، بالإضافة إلى أن موسكو قد تفضل إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية النظامية بدلاً من الإبقاء على الفيلق الذي يشبه الحشد الشعبي العراقي دون عقيدته القتالية، وفي هذه الحالة قد يتم توزيع عناصره المؤهلين للعمل العسكري والذين يسمح لهم معدل أعمارهم بذلك على الألوية والفرق النظامية.
وقد بدأت روسيا بالفعل في عملية إعادة هيكلة الفرق والألوية النظامية بتشكيلها لجنة تشرف على عمل فرع شؤون الضباط ضمن شعبة الاستخبارات العسكرية المعروف باسم (الفرع 293)، كما وضعت روسيا يدها على هيئة الأركان العسكرية، وشرعت في إخضاع عشرات الضباط من رتب مختلفة لتدريبات عسكرية في روسيا(9) .
2. دمج الفيلق في مؤسسة الجيش
سيستمر الفيلق في مهامه الميدانية، رغم أدائه المتواضع، حيث يوفّر الفيلق مظلّة سياسية مهمة تحتاجها روسيا أمام الأطراف الإقليمية والدولية لتأكيد سيطرتها البرية على الأرض. وفي حالة الاستعانة بالميليشيات الإيرانية، فسيتم تشغيلهم تحت لافتة الفيلق، مقابل أثمان تتفق عليها موسكو وطهران. 
ومع الوصول إلى مرحلة الحل السياسي، يتم إدماج الفيلق في مؤسسة الجيش الرسمية، على غرار نموذج الحشد الشعبي في العراق. وعند ذلك الحين يتم تسريح المقاتلين غير الملائمين عمرياً أو بدنياً. 
وستسعى روسيا في هذه الفترة إلى الاستفادة من الفيلق بأقصى طاقة يمكن أن يقدمها، كما ستعمل على اختيار العناصر الذين يمكن الاستثمار فيهم مستقبلاً في مؤسسة الجيش. ويلاحظ أن الضباط الروس يُشرفون على العمل اليومي للفيلق، ويتم إيفاد عناصر منتقاة منهم في بعثات تدريبية إلى روسيا.  
3. إعادة الهيكلة
لم يكن استنساخ نموذج الحشد الشعبي العراقي ناجحاً في حالة الفيلق الخامس، نظراً لافتقاره لعنصر التجانس، وغياب الدافع العقائدي والأيديولوجي، الأمر الذي حوّل الفيلق إلى نسخة مترهلة من فرق الجيش الأخرى.
وقد أظهرت العمليات العسكرية الأخيرة ضعف إمكانيات هذا الفيلق، وعدم قدرته على تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها، وبالتالي غياب جدوى الاستثمار الروسي فيه. 
بناء على ذلك، قد تعمد روسيا إلى إعادة النظر في آليات التجنيد التي تم اعتمادها، وأشكال التدريب التي يخضع لها عناصر الفيلق، مع إجراء إعادة هيكلة لبنية الفيلق، بما يزيد من كفاءته وفاعليته.  

خلاصة
سعت روسيا منذ دخولها رسمياً إلى سورية في أواخر عام 2015 إلى الإمساك ما أمكن بمفاصل الدولة السورية، بغية ضمان سيطرتها الحالية والمستقبلية على مركز صنع القرار السوري. 
جاء تشكيل الفيلق الخامس ضمن هذا السياق، في محاولة روسية لإعادة بناء جيش سوري موالٍ لموسكو، ليكون ضمانة مستقبلية للمصالح الروسية في سورية. كما سعت روسيا من خلال تشكيل الفيلق إلى التحرر من حاجتها للاعتماد على الميليشيات الإيرانية من جهة، وتوجيه رسائل إلى الدول المعنية بالملف السوري أنها من يملك القرار على الأرض والجو، وأنها ملتزمة بتحجيم النفوذ الإيراني على الأرض. 
لكن الفيلق الخامس أثبت خلال عامين ونصف من عمره أن الاستثمار الروسي لم يُحقق النتائج المرجوة، لا من الناحية الميدانية ولا من الناحية السياسية. حيث يُظهر تقييم المهام القتالية التي خاضها الفيلق الخامس أنه يعتمد بالدرجة الأولى على الطيران الحربي الروسي، وأن توقف طلعات هذا الطيران يمكن أن تُكبّد الفيلق خسائر فادحة. 
وعكست نتائج أول اختبار قتالي حقيقي خاضه الفيلق الخامس في ريف حماة وريف اللاذقية خلال شهر أيار/مايو أن كفاءته العسكرية متواضعة للغاية، وتكبّد خسائر مرتفعة في الأفراد والعتاد، وتكرار وقوعه في كمائن قرب كفرنبودة وحرش الكركات بريف حماة، رغم أن الفصائل لم تضع كامل قوتها العسكرية في هذه المعارك.

 

الهوامش:

1- القيادة العامة للجيش تعلن عن تشكيل الفيلق الخامس من الطوعيين إلى جانب القوات المسلحة والرديفة والحليفة، وكالة الأنباء السورية (سانا)، 22/11/2016
2-  الفيلق الخامس يحصل على دبابات "محصنة"، وكالة سبوتنيك الروسية، 31/10/2017 
3-  جيش النظام السوري... حصيلة قتلى وانشقاقات تحوّله مليشيا، العربي الجديد، 12/5/2016 
4-  حصيلة ثماني سنوات من الحرب في سورية، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 17/3/2019
5-  تقرير نشره مركز "جي بي سي" نقلاً عن الجيش السوري الحر حول مذكرة بحق 189 ألف مجند منشق 
6-  مع وجود نحو 30 ألف متخلف عن التجنيد الإجباري…وفد من الفرقة الرابعة التي يقودها شقيق بشار الأسد يزور السويداء لـ “خداع مشايخ العقل” وإرسال شبان المحافظة للخدمة الإلزامية، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 12/10/2018 
7 - ملف شامل عن الميليشيات الشيعية المقاتلة في سوريا، نون بوست، 20/1/2016 
8- شريط مسجل بثه جيش العزة يظهر الصواريخ المضادة للدروع التي سيطر عليها في كفربنودة  
9- روسيا تسجن المئات من ضباط النظام السوري وتستبعد الموالين لإيران، نداء سورية، 13/1/2019