تقدير الموقف

الضربة العسكرية الثلاثية على سورية: الدلالات والآثار

تمهيد 
أثار استهداف مدينة دوما في ريف دمشق يوم 7/4/2018 موجة من ردود الفعل الدولية، ومناوشات دبلوماسية وسياسية بين الولايات المتحدة وروسيا، في حالة مشابهة لأصداء مجزرة خان شيخون في ريف إدلب، التي حدثت يوم 4/4/2017. 
وتولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعلان مبكراً عن نية الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية، وهو ما حصل بالفعل فجر يوم 14/4/2018. ووفقاً لمدير الأركان المشتركة في وزارة الدفاع الأمريكية، فإن العملية شملت إطلاق (105) صواريخ، وإنها وصلت كاملة إلى أهدافها، كما تمّ رصد إطلاق أكثر من 40 صاروخاً أرض-جو من أنظمة الدفاع السورية، أطلقت جميعاً بعد انتهاء الضربات الثلاثية. 
وأثارت المناوشات الإعلامية والدبلوماسية التي سبقت الضربة الكثير من التفاعل في الأوساط السورية المؤيدة والمعارضة، ورُصدت حالة من الارتباك الكبير في أوساط الأجهزة الأمنية والعسكرية في مناطق النظام، الأمر الذي رفع من مستوى التوقعات خاصة لدى كل الأطراف المحلية. كما أدّت العملية ذاتها إلى جملة من التداعيات على الفاعلين، وحملت دلالات عديدة، وهو ما سيتناوله هذا التقرير. 

الرسائل والدلالات
الغياب المسبق للفاعلية العسكرية
افتقرت العملية العسكرية قبل بدايتها للفاعلية المطلوبة في أي عمل عسكري، الذي يرتكز بشكل أساسي كما هو معروف في العلوم العسكرية على "عامل المباغتة". فالضربات كانت متوقعة على نطاق واسع، والرغبة في تنفيذها كانت معلنة بشكل رسمي من أعلى هرم السلطة العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة، كما أن الأهداف التي تم استهدافها كانت متوقعة هي الأخرى، ونشرت أسماء معظمها في وسائل إعلام دولية خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الضربة. ومن ثم فإنّ النظام السوري، وبإشراف روسي وإيران بطبيعة الحال، عمل على تفريغ هذه المواقع تحسباً لعمليات الاستهداف العسكري. 
وكان ملفتاً أن الضربات لم تخلّف أي ضحايا على الإطلاق، حتى وفقاً للتصريحات الرسمية السورية (التي عادة ما ترفع من عدد الضحايا في أي استهداف مماثل لكسب تعاطف الجمهور)، بما يُشير إلى أن المباني التي تم استهدافها كانت خالية حتى من الحرس، ومن باب أولى فإنّها قد أخليت من أي مواد أو أسلحة نوعية. 

 

 

 

الدفاع الجوي الروسي غير الفاعل
منذ إعلان روسيا عن إدخال منظومات الدفاع الجوي S300 وS400 إلى سوريا، لم تقم هذه المنظومات باستهداف أي طائرات معادية تقوم بغارات في مناطق السيطرة الروسية، بما في ذلك العديد من الغارات الإسرائيلية، والغارات الأمريكية في عام 2017 والغارات الثلاثية في عام 2018. 
وقد برر بيان وزارة الدفاع الروسية الصادر يوم 14/4/2018 امتناع روسيا عن اعتراض الضربات الثلاثية بأن "أياً من صواريخ العدوان على سوريا لم تستهدف أياً من المناطق الموجود فيها الدفاعات الجوية الروسية بقاعدتي طرطوس وحميميم الروسيتين". 
ويمكن تفسير عدم الرد هذا ضمن خيارين: 
• الأول: افتقار هذه المنظومة لإمكانية وقف الطلعات المعادية، أو الخشية من استخدامها وفشلها، الأمر الذي سيُسبّب حرجاً عسكرياً لروسيا. وهو أمر محتمل بالنسبة إلى بعض الصواريخ الحديثة التي تم استخدامها للمرة الأولى في هذه العملية.  
• الثاني: أن هناك قراراً سياسياً بتجنّب الصدام الحاد مع المعسكر الغربي، حتى في حالة اختراقه لنطاق النفوذ الروسي، أو أن هناك اتفاقاً ضمنياً أو فعلياً بين الولايات المتحدة وروسيا يقضي بعدم استخدام الدفاعات الجوية مقابل عدم استهداف القوات الروسية أو أي هدف حيوي للمصالح الروسية. 
وبكل الأحوال، فإنّ عدم استخدام منظومات الدفاع الجوي الروسية لمواجهة أي طلعة من الطلعات المعادية التي شُنت على الأراضي التي تخضع للنفوذ الروسي يُضعف من الهيبة الروسية، كما أنه يترك أثراً سلبياً على النظام ومؤيديه، إذ يبدو أن النظام لن يحصل على الحماية من هذه المنظومات، ما دامت الضربات المعادية لا تستهدف مصالح روسية مباشرة. 
تجنب الأهداف الروسية والإيرانية
لم يتضمّن بنك أهداف العملية الثلاثية أي أهداف إيرانية أو روسية، وحرصت الدول الثلاث على تأكيد هذا الأمر في بياناتها وتصريحاتها. 
ويشير التجنّب الغربي للأهداف الروسية وحتى الإيرانية إلى رغبة بعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا وإيران، وهو الأمر الذي تجاوبت معه البلدان من خلال عدم استخدام منظومات الدفاع الجوي في سوريا. كما يُشير إلى محدودية الرسائل التحذيرية التي يرغب المهاجمون بإيصالها. 
رسالة محدودة 
على خلاف الضربة الأمريكية السابقة، فإنّ المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين حرصوا بعيد الضربة الثلاثية على تأكيد انتهاء الرد العسكري، وأن هذه الضربة تحمل صفة "المحدودية"، مع ترك الباب مفتوحاً أمام ردود فعل عسكرية أخرى في حال تجاوز النظام خط الأسلحة الكيميائية الأحمر مرة أخرى.
وجاء هذا التحديد بصورة واضحة في تغريدة للرئيس ترامب فجر يوم 14/4/2018، حين قال بأن "المهمة أنجزت". في استعادة للعبارة نفسها التي استخدمها جورج بوش الابن عام 2003 لإعلان انتهاء الحرب على العراق. 
ويمكن تفسير الإعلان الأمريكي عن انتهاء العملية في رغبة لمنع أي آثار اقتصادية قد تشهدها أسواق المال عندما تعاود عملها بعد انتهاء عطلة نهاية الأسبوع. 
 
مناورات عسكرية وإعادة توزيع قوى
سمحت العملية العسكرية للولايات المتحدة بتوجيه حاملات طائراتها إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، والعمل بشكل مشترك مع بريطانيا وفرنسا لتنفيذ مناورة لتدخل سريع في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يشكّل قيمة مضافة بالنسبة للجيش الأمريكي والجيشين البريطاني والفرنسي. 
وقام الجيش الأمريكي في هذه العملية بتجربة صاروخ كروز جديد من تصنيع شركة لوكهيد مارتن، الذي تم إنتاجه كجزء من برنامج دفاعي قيمته (4.6) مليارات دولار. ويمتاز هذا الصاروخ بأنه مصمم لاختراق مسافة (322 كم) داخل أراضي العدو دون اكتشافه من قبل الرادارات. وغالباً فإنه الصاروخ الذي وصفه ترامب في تغريدة له قبيل الضربة بأنه "صاروخ ذكي"، ولن يكون بإمكان روسيا إيقافه. 
كما أن إعادة الانتشار العسكري في البحر الأبيض، والحضور الأمريكي القوي في المنطقة، وجّه رسالة إلى دول المنطقة بأسرها، مفادها أن الولايات المتحدة وإن انسحبت من سوريا وغيرها، فإنّها الفاعل الأهم في المنطقة والعالم، ومن ثم فإنّ على دول المنطقة أن تحسم خياراتها. وكان لافتاً ما بدا أنه تراجع تركي عن تحالف مع روسيا، حيث أيّدت الضربة بشدة، وأكّدت على لسان رئيس الجمهورية أن تحالفها مع الولايات المتحدة أعمق من شراكتها مع روسيا. كما كان لافتاً البيان الذي أصدرته سلطنة عمان تأييداً للعملية العسكرية، وهي التي اعتادت على اتخاذ مواقف ضبابية أو لا مواقف فيما يتعلق بالشأن السوري عموماً. 
اعتراض على مجزرة لا تغيير نظام
حرصت التصريحات الرسمية للدول المهاجمة على تأكيد الارتباط المباشر للضربات بالمجزرة التي حصلت في دوما، وعلى أن هذه الدول لا ترغب بتغيير أو إسقاط النظام في سوريا، بل إن الولايات المتحدة على لسان سفيرتها في الأمم المتحدة أكّدت للمرة الأولى أنها لم تسع إلى إسقاط النظام في أي مرحلة.  
ويستهدف هذا التصريح المؤسسات السياسية الداخلية في الدول الثلاث، ثم المنظومة الدولية بالدرجة الثانية. إذ إن الرد على استخدام الأسلحة الكيميائية يملك مبرراً في القانون الدولي، على خلاف تغيير النظام الذي يستدعي تفويضاً من مجلس الأمن. 
الداخل الأمريكي: أول الأهداف
شكّل استهداف مدينة دوما بالأسلحة الكيميائية فرصة ذهبية بالنسبة إلى الرئيس ترامب، الذي يواجه تحقيقاً يُضيّق عليه الخناق حول تأثير روسي محتمل على حملته الانتخابية. وقد نفّذت الضربات الأمريكية على سوريا بعد أيام من قيام جهاز الأمن الفيدرالي باقتحام مكتب محامي ترامب نفسه ومصادرة ملفاته، بما ساعد على نقل النقاش السياسي في الولايات المتحدة مؤقتاً إلى مربع الأزمة في سوريا والعلاقة مع روسيا، وشتت التركيز الإعلامي على كتاب جيمس كومي المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالية، الذي صدر في اليوم نفسه الذي حصلت فيه العملية العسكرية. لكن هذا الأثر يبقى محدوداً ومؤقتاً.
كما ساعدت العملية في إظهار ترامب شعبياً بمظهر القائد القوي الذي يصون سمعة الولايات المتحدة، على عكس أوباما الذي لم يلتزم بصيانة خطوطه الحمراء. كما يَظهر ترامب شعبياً في هذه الضربات مواجهاً روسيا ومشاريعها، وليس سياسياً ربما تكون روسيا قد ساعدته على الوصول إلى موقعه كما تقول المجموعات السياسية ووسائل الإعلام المعادية له داخل الولايات المتحدة. 
ماي تبحث عن إرثها الخاص
تشكّل موافقة الحكومة البريطانية على المشاركة في العملية العسكرية الأمريكية دون عرض الموضوع على البرلمان سابقة سياسية، ويمكن أن يؤدّي مثل هذا القرار إلى عواقب سياسية على رئيس الوزراء تيريزا ماي، لكنها لا تُمانع على ما يبدو في دفع ثمن هذا الموقف، مقابل مردوده السياسي الكبير. فرئيسة الوزراء وصلت إلى موقعها دون انتخاب شعبي، ويتوقع أن تخسر هذا الموقع في أول استحقاق انتخابي، وارتبطت مهمّة حكومتها بالبحث عن اتفاق مع الاتحاد الأوروبي للخروج منه بأقل الخسائر، ومن ثم فإنّ إرثها السياسي سيكون ضعيفاً وخالياً من الإنجاز، حتى لو حققت أفضل اتفاق ممكن مع بروكسل. 
وقد منحت قضية تسمم العميل الروسي في سيلزبري، ثم المشاركة في العملية الأمريكية على سوريا، فرصة لماي لتدخل التاريخ كقائد سياسي قوي يستخدم صلاحياته دون العودة إلى البرلمان، وكقائد يحافظ على هيبة المملكة المتحدة في وجه ما اعتبر استخفافاً روسياً بالسيادة البريطانية. 
فرنسا تعود من البوابة الأمريكية
يسعى ماكرون منذ وصوله إلى السلطة منتصف عام 2017 إلى استعادة الدور الفرنسي في الشرق الأوسط بأي شكل. لكنه يواجه دائماً الإمكانيات المحدودة لبلاده عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، التي تمنعها من القيام بأدوار رئيسية فاعلة ومستقلة. 
وقد شكّلت العملية الأمريكية فرصة لماكرون للحصول على دور من خلال البوابة الأمريكية في سوريا. كما أن العملية شكّلت الفرصة الأولى لماكرون للقيام بعمل عسكري، وللظهور هو الآخر، مثل تيريزا ماي، بمظهر القائد القوي الذي يتخذ القرار المناسب ضمن صلاحياته دون موافقة مسبقة من البرلمان. 
 
الأثر على الفاعلين
النظام السوري
رغم أن الاستهداف شمل مواقع للنظام السوري حصراً دون داعميه، فإنّ النظام هو الرابح الأساسي من هذه العملية، حيث منحته رصيداً شعبياً داخل سوريا وخارجها، في منطقة تحتفي عموماً بأولئك الذين يتعرّضون لهجمات أمريكية أو إسرائيلية، وتحمل في ذاكرتها عدواناً ثلاثياً مشابهاً على مصر إبان حكم جمال عبد الناصر، وهو العدوان الذي استخدمه عبد الناصر لصناعة نجوميته في العالم العربي. 
وتساعد الضربات الأمريكية المشابهة على النظام السوري في إظهاره في موقع القوي المقاوم لرغبات الغرب في إسقاطه، وأنه لم ينتصر على المعارضة فحسب بل انتصر على الولايات المتحدة والناتو! رغم أن الضربات لم تقترب بأي شكل من الأشكال من أي هدف حيوي حقيقي للنظام. بل إن الولايات المتحدة أكّدت بعيد الضربة، ولأول مرة، أنها لم تكن ترغب في أي وقت بإسقاط النظام. 
وبالمقابل، ورغم الحصاد الإيجابي للنظام بعد انتهاء الضربة، فإن حالة الذعر التي سادت قبيل العملية الثلاثية في أوساط الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، وأوساط المؤيدين عامة، والتي كانت واضحة للمواطنين العاديين، تظهر الهشاشة العالية للنظام، ومحدودية قدرته على مواجهة أي استهداف حقيقي حتى مع الوجود المباشر للقوات الروسية والإيرانية على أرضه.   
المعارضة 
تبدو المعارضة كأنها الخاسر الأبرز في هذه الضربة، وكل الضربات ومشاريع الضربات السابقة، لاعتبارات ذاتية وموضوعية. 
فمن جهة، تعامل الجمهور المعارض مع الضربات ومشاريعها على أنها مشاريع موجّهة لدعم المعارضة، وتستهدف إضعاف النظام. وعملت شخصيات سياسية وإعلامية معارضة على الترويج للضربات العسكرية قبيل حصولها، وتوجيه الإنذارات إلى القوى العسكرية المؤيدة للنظام على اعتبار أن ساعة نهاية النظام قد حانت، مستخدمين لغة تشي بأن الضربات المحتملة ستتم لتحقيق أهداف المعارضة، لا أن المعارضة ومصالحها، والسوريين عموماً، لا يدخلون بأي شكل في معادلة اتخاذ القرار الخاص بهذا النوع من العمليات. ويساهم هذا "التحشيد الاستباقي" في كل مرة في رفع توقعات الجمهور المعارض بشكل كبير، وفي تعظيم خيبة الأمل بعد ذلك. 
كما تؤدّي الضربات غير المؤثرة بتاتاً في النظام إلى إظهار الغرب كقوة تتدخل عسكرياً لمساندة المعارضة والانتقام لضحاياه، وفي الوقت نفسه فإن الغرب (ومعه المعارضة) يفشلان في إيقاف النظام. وهذه الصورة أقرب ما تكون إلى الحالة المثالية التي يحتاج إليها النظام في برنامجه الدعائي القائم على "مقاومة الغرب"، وهو اتجاه جاذب في كل العالم العربي والإسلامي، وفي أوساط اليسار الغربي عموماً. 
وعلى المستوى الشعبي، فإنّ تكرار مثل هذه الضربات بداعي استخدام الأسلحة الكيميائية لقتل المدنيين يُساعد في تغذية التيارات المتطرفة بشكل أكبر في المنطقة، لأنها تمثّل إقراراً من المجتمع الدولي بشرعية قتل المدنيين بكل الأسلحة الأخرى، رغم أن الأسلحة الكيميائية لم تؤد إلا لمقتل أقل من 0.5% من ضحايا نظام الأسد خلال السنوات السابقة. كما يساهم مثل هذا التوجّه في إضعاف التيارات المدنية في المنطقة، التي تُطالب بالاحتكام إلى القانون بدلاً من العنف كوسيلة لإنصاف الضحايا. 
روسيا
خسرت روسيا بلا شك في هذه الضربات، سواء أكانت قد تمّت بناء على تنسيق معها أو بدون ذلك، إذ إنها اضطرت بكل الأحوال لتقبّل ضربات غربية على أراضٍ تخضع لسيطرتها العسكرية والسياسية، ومن ثم فإنّها خسرت من رصيدها الدولي، إضافة إلى تضعضع الصورة التي يصنعها بوتين لنفسه ولروسيا داخل بلاده، كقائد قوي قادر على إعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، وتحدي الغرب والعالم. 
كما خسرت روسيا في أوساط مؤيدي النظام، الذين كانوا يشعرون بالطمأنينة للوجود العسكري الروسي في سوريا، وأن هذا الوجود قادر على منع الآخرين جميعاً من استهداف النظام الذي يؤيدونه. حيث أدرك المؤيدون أن روسيا أضعف بكثير من الصورة التي تروّجها روسيا لنفسها والصورة التي يقدمها الإعلام الموالي للنظام، وأنها اكتفت في ساعة الحقيقة بحماية قاعدتيها العسكريتين لا أكثر. 
لكن خسائر روسيا من الضربات لا تصل إلى المستوى الاستراتيجي، إذ إنها حصلت من خلالها على إقرار غربي ببقاء النظام كما تريده روسيا، كما ساهمت الضربة في ترسيخ بروبغاندا النظام، ومن ثم منحه شرعية شعبية يحتاجها النظام لإعادة إنتاج نفسه، وهو أمر يصب لصالح روسيا.
إيران
بدت إيران كأنها غير معنية بالعمليات العسكرية، إذ إنها لم تتعرّض للاستهداف المباشر رغم وجود قواتها والمليشيات التابعة لها على الأرض، ورغم أن العملية تأتي بعد أيام من استلام مستشار الأمن القومي الجديد جون بولتن مهامه، وهو صاحب مواقف معادية بشكل مطلق لإيران، وداعية لاستهدافها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. 
لكن عدم الاستهداف المباشر لإيران لا يعني أن رسالة الضربة لم تصلها. فالعملية التي اختارت أهدافاً رمزية هذه المرة، يمكن أن تُنفذ في مرة قادمة ضد أهداف إيرانية إن لم تتجاوب طهران مع الضغوطات الغربية والإقليمية لسحب قواتها ومليشياتها الأجنبية من سوريا. كما أن الغارات أكّدت غياب الرغبة الروسية في استخدام أنظمة دفاعها الجوي في أي هجمات لا تستهدف مصالحها المباشرة، ومن ثم فإنّ إيران سيكون عليها حماية مواقعها وقواتها بنفسها. 
وكما فعل النظام، فإن إيران عملت على استثمار تداعيات الضربة في التحشيد لبرنامجها الدعائي القائم على مواجهة ما تسميه المشاريع الأمريكية والصهيونية والغربية لاستهداف محور المقاومة. كما منحت العمليات العسكرية فرصة للمجموعات التي تدعمها في المنطقة لإعادة التموضع سياسياً. وكان أبرز هذه المجموعات "حركة حماس"، التي استنكرت العملية واصفة إياها بـ"بالعدوان السافر على الأمة" من أجل الحفاظ "على وجود الكيان الصهيوني وتمرير مخططاته". وهو خطاب يتماهى بالكامل مع الخطاب الإيراني، ويهدف استخدامه لإعلان انتقال رسمي إلى الضفة الإيرانية، بعد سنوات من الفجوة. 
إسرائيل
تقوم إسرائيل بغارات مستمرة على أهداف داخل سوريا. وعلى خلاف العملية الأمريكية في 2017 والعملية الثلاثية الحالية، فإنّ الغارات الإسرائيلية تستهدف مواقع مأهولة وفاعلة، وغالباً ما تكون ذات صلة مباشرة بالوجود الإيراني في سوريا، وتتسبب في خسائر بشرية في صفوف القوات الإيرانية أو المليشيات الأجنبية التابعة لها. 
وقد أظهرت العملية الثلاثية أن الولايات المتحدة غير معنية، حتى الآن على الأقل، باستهداف المصالح الإيرانية في سوريا، وأن الضغوطات الإسرائيلية على واشنطن لم تُسفر إلا عن ضربة شكلية من الناحية الاستراتيجية، ومن ثم فإنّ على إسرائيل أن تتولى بنفسها المواجهة مع إيران، وألا تنتظر من الولايات المتحدة القيام بهذه المهمة بالنيابة عنها. 
ويتوقع أن يعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي في الفترة القادمة على تصعيد عمليات الاستهداف العسكري للمصالح الإيرانية في سوريا، حتى لو أدى هذا الأمر إلى اشتباك مباشر مع القوات الإيرانية، وسيحاول تحقيق إنجاز ملموس يمكن أن يُساعده سياسياً في الانتخابات المقبلة نهاية العام القادم. 
ويُشير محللون مطلعون إلى أن القيادة الإسرائيلية حسمت أمرها بخصوص مواجهة الوجود الإيراني في سوريا من خلال العمل على إسقاط نظام الأسد نفسه، حيث وصلت الدوائر الأمنية الإسرائيلية إلى قناعة بأن الأسد لم يعد قادراً على التخلّص من النفوذ الإيراني، حتى إن أراد ذلك، ومن ثم فإنّه أصبح امتداداً كاملاً لمشروع طهران، ولا بد من التخلّص منه.