تقدير الموقف

السيطرة التركية على عفرين الأثر على الفاعلين والخطوة التالية

ملخص
مع سيطرة القوات التركية والفصائل العسكرية السورية المتحالفة معها على وسط مدينة عفرين، تكون الأهداف الرئيسية لعملية غصن الزيتون قد تحققت، بما يترك آثاراً كبيرة على الفاعلين في المشهد، ويفتح الباب أمام تساؤلات عن الخطوات المقبلة على المستويين العسكري والسياسي. 
بالنسبة لتركيا، فإذاْ تمكّنت بعد انتهاء العملية، من توسيع مساحة نفوذها المباشر في سورية إلى حوالي 5 آلاف كيلو متر مربع، وتمكّنت من تحقيق الأهداف التي أعلنت عنها مسبقاً، فتكون قد استطاعت تحصيل إنجاز عسكري وسياسي في الوقت ذاته. 
وبالتالي فإنّ الفصائل المتعاونة معها هي الأخرى تكون قد تمكّنت من توسيع نطاق نفوذها، وزادت من قدراتها القتالية، وبالمقابل فإنّ هيئة تحرير الشام التي تُسيطر على معظم منطقة إدلب أصبحت في موقف حرج، وستواجه خيارات صعبة في كيفية التعامل مع الوضع الجديد. 
وشكّل انهيار دفاعات وحدات الحماية الكردية في عفرين انكساراً هو الأكبر في تاريخ حزب الاتحاد الديموقراطي، إذ تبين أن حساباته السياسية والعسكرية لم تكن مبنية على أي معطيات واقعية، وهو ما رتّب عليه تداعيات سيحتاج إلى فترة طويلة قبل أن يتمكن من تجاوزها، هذا إن لم يخسر مناطق إضافية من نطاق سيطرته.  
 
أولاً: مقدمة 
سيطرت القوات المشاركة في عملية غصن الزيتون الأحد 18 آذار/مارس 2018 على مدينة عفرين ونواحيها شمال غرب حلب بشكل شبه كامل، وذلك بعد أقل من شهرين على انطلاق العملية. 
ولم يتم بعد الإعلان الرسمي عن انتهاء العمليات العسكرية من قبل قيادة المعركة، فيما يبدو أنها ما زالت مستمرة، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بعض القرى جنوب مدينة عفرين لا تزال تحت سيطرة وحدات الحماية الكردية، بالإضافة إلى مدينة تل رفعت والقرى المحيطة بها، والتي سيطرت عليها وحدات الحماية الكردية مطلع عام 2016، ودخلت إليها أيضاً ميليشيا "القوات الشعبية" التابعة للنظام السوري في 21 شباط/ فبراير 2018. 
وعشية السيطرة على المدينة قامت رابطة المستقلين الكرد السوريين بعقد مؤتمر في مدينة غازي عنتاب بهدف تشكيل مجلس محلي وإدارة المنطقة. وتناول الحضور ورقة عمل للمناقشة قابلة للتغير تتضمن سبعة عشر بنداً. 
ويتناول هذا التقرير من خلال التحليل، دلالات السيطرة التركية في تحقيق الأهداف الرئيسية لعملية غصن الزيتون على كل الفاعلين المؤثرين والمتأثرين في المشهد الشمالي السوري، واستقراء الخطوات التالية بالنسبة للفاعلين الرئيسيين منهم. 
 
ثانياً: ما الذي تعنيه السيطرة على عفرين بالنسبة للفاعلين؟ 
تحمل السيطرة التركية على مدينة عفرين ونواحيها شمال غرب حلب، عدداً من المؤشرات بالنسبة لمختلف الفاعلين المحليين والدوليين، وهي على النحو الآتي:
تركيا
تُعدّ سيطرة تركيا على مدينة عفرين ونواحيها الخمس نجاحاً نوعيًّا بالنسبة للقوات المسلحة التركية خارج أراضيها ضد حزب العمال الكردستاني، والثاني من نوعه بعد نجاح عملية درع الفرات ضد تنظيم داعش في 30 آذار/ مارس 2017، ما قد يُمهّد الطريق لعمليات مشابهة، ولطالما أشارت إلى ذلك الرئاسة التركية، فمؤخراً صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب السيطرة على عفرين إن الوجهة المقبلة ستكون نحو منبج وعين العرب وتل أبيض ورأس العين والقامشلي، ومن الممكن دخول سنجار شمالي العراق لإبعاد حزب العمال الكردستاني عن كامل الحدود التركية والقضاء على ما أسماه "الحزام الإرهابي". 
ومن ناحية أخرى، يُمكن القول إن الجيش التركي قد استفاد من تطوير أسلحة محلية نوعية واختبار جاهزية عناصره وضباطه، وقد تحدث وزير الدفاع التركي نور الدين جانكلي عن ذلك في 8 آذار/ مارس 2018. 
وتفتح السيطرة على منطقة عفرين، المجال لتحرّك تركيا باتجاه إنهاء وجود وحدات الحماية الكردية من منطقة غرب الفرات بشكل كامل، وبالتالي احتمال استكمال غصن الزيتون لعملياتها في منطقة تل رفعت ومحيطها وفتح معركة جديدة في مدينة منبج وريفها شرق حلب، أو تجنب المعارك بإجراء مباحثات ثنائية وثلاثية حول ذلك مع الفاعلين الدوليين. 
ولدى تركيا الآن فرصة مناسبة، لإتمام المباحثات حول مناطق خفض التصعيد في الشمال السوري، خصوصاً وأنّ عفرين كانت إحدى الملفات الخلافية بين الأطراف الضامنة لعملية أستانا، وبالتالي ستكون أنقرة أمام تحصيل مزيد من المكاسب من حيث تقاسُم مناطق النفوذ بين الفاعلين الدوليين، باعتبارها ضامناً لوقف إطلاق النار في مناطق الشمال الغربي لسوريا. 
وفي هذا الصدد من المفيد القول إن تركيا أصبحت الآن، تبسط نفوذها على مساحة أوسع في الشمال السوري بعد هذه العملية، حيث تبلغ مساحة المناطق المسيطر عليها تركيّاً في درع الفرات وعفرين حوالي 5000 كم2، عدا عن كونها فتحت الطريق بين غرب حلب وشمالها. 
وربما تساهم السيطرة على منطقة عفرين في إتاحة مجال أوسع لشركات إعادة الإعمار بمزيد من التوجه نحو الشمال السوري، لا سيما وأنها بدأت ذلك منذ أشهر في مناطق شمال وشرق حلب. وقد تم التطرق بشكل فعلي إلى هذا الأمر خلال مؤتمر إنقاذ عفرين، وقدمت تركيا وعوداً للمشاركين بأنها ستنخرط بإعادة الإعمار في عفرين من أجل تحقيق الاستقرار. 
ومن جانب آخر، ينظر المسؤولون الأتراك إلى نجاح العملية باعتباره سبيلاً لعودة آلاف اللاجئين نحو الشمال السوري. لكن هذا الأمر يحتاج غالباً لمزيد من الوقت وفرض حالة من الاستقرار الجزئي. 
وقد تكون أمام تركيا فرصة لدعم نموذج إدارة ذاتية في عفرين يأخذ بالحسبان قضية الأكثرية السكانية الكردية، ما يساهم في تقديم نموذج مشجّع للسكان المحليين في بقية مناطق الإدارة الذاتية الخاضعة لحزب الاتحاد الديموقراطي شرق الفرات.
الجيش السوري الوطني
تعدّ السيطرة على منطقة عفرين فرصة سانحة للجيش السوري الوطني في زيادة التنسيق بين مكوناته والانتقال من الفصائلية إلى حالة الجيش المنظم، خصوصاً وأن عملية غصن الزيتون هي التجربة الأولى لهذا الجيش بعد تشكليه. وقد قام هذا الجيش منذ بدء المعركة بتعيين متحدث باسمه وقام بإصدار تقرير يومي عن المجريات الميدانية، وحاولت وزارة الدفاع استخدام المعركة لتبدو وكأنها هي من تدير العملية، لكنها أخفقت فعلياً حتى في إدارة الملف الإعلامي، فقد كان من المفترض أن تخرج جميع الصور ومشاهد السيطرة إما عن طريق أحد الفيالق الثلاثة أو عبر جهة تقوم القيادة بتفويضها، إلا ان ذلك لم يحصل، بما يظهر عمق الفصائلية، وضعف تأثير وجود وزارة الدفاع. 
وبالنسبة للفصائل العسكرية التي شاركت في السيطرة على منطقة عفرين، فقد وسعت من نطاق نفوذها العسكري والذي يمكن أن يشمل لاحقاً الوصول إلى إدلب، ويمتد بالتالي على كامل الشمال السوري رغم وجود تحديات أمام هذا الخيار. كما كسبت هذه الفصائل خبرة عسكرية إضافية من خلال هذه العملية، من حيث الاستراتيجية المتبعة وعمليات التنسيق. 
ورغم أن السيطرة على عفرين، تعني إعادة تنشيط الحركة التجارية بين مناطق سيطرة المعارضة السورية دون فرض ضرائب باهظة وإتاوات من قبل وحدات الحماية الكردية، لكن هذا الأمر قد لا يناسب كثيراً الفصائل المشكّلة لبنية الجيش الوطني السوري، لأنها كانت أحد الأطراف المستفيدة من العائدات المالية القادمة من المعابر غير الرسمية مع منطقة عفرين. 
ويبدو أن أحد أكثر الأسباب التي تدعو الفصائل لعدم الانتقال نحو الاندماج الكلي في كيان الجيش الوطني، هو الموارد الاقتصادية وسلطتها العسكرية داخل القرى والبلدات، الذي لم يتم تجاوزه رغم كثير من المحاولات في مناطق شمال وشرق حلب، لكن بعد عملية غصن الزيتون، ربما ستجد هذه الفصائل نفسها أمام واقع جديد يدفعها للمسارعة في الاندماج والقبول بتقسيم المخصصات فيما بينها بشكل متساوٍ عبر قيادة الفيالق الثلاثة. 
هيئة تحرير الشام
تمثل سيطرة الجيش الوطني السوري على منطقة عفرين خطراً بالغاً على هيئة تحرير الشام، وقد صرّح عبد الرحيم عطون (الشرعي العام في الجبهة) أنّ قرب وصل مناطق شمال حلب بغربها من قبل فصائل الجيش السوري الحر هو خطر على المشروع الجهادي، في إشارة إلى مساعي الجبهة لإقامة كيان سنّي في إدلب ومحيطها. ذلك أن دخول قوات تابعة للجيش الحر إلى منطقة إدلب ذات قبول شعبي كبير، قد يقوّض سلطة الهيئة ومشروعها في منطقة إدلب. 
إيران
خلال عملية التمشيط التي قامت بها القوات المشاركة في غصن الزيتون تم العثور على مستودعات أسلحة إيرانية الصنع كانت بحوزة وحدات الحماية الكردية، وخلال المعركة قام النظام السوري بإقحام ميليشيا "القوات الشعبية" إلى داخل عفرين لعرقلة الجهد العسكري الذي تبذله أنقرة للسيطرة على عفرين. 
وإبان المعركة كان هناك خلافات بين الدول الضامنة لمناطق خفض التصعيد؛ حسبما صرّحت به الرئاسة التركية، وقد يكون من اللافت الدعم غير الرسمي الذي قدمته إيران لوحدات الحماية الكردية في عفرين على الرغم من الخلاف معها في مناطق شرق الفرات، وما يفسّر هذا الموقف هو عدم رغبة طهران بتوسيع نطاق سيطرة مناطق نفوذ فصائل المعارضة السورية، والضغط على تركيا من أجل تحصيل مكاسب أكبر في مباحثات أستانا، وكون عفرين والشيخ مقصود في مدينة حلب كانتا أحد أهم الملفات التي تستطيع إيران من خلالهما التفاوض على وجود النظام السوري في المربع الأمني بمدينة القامشلي. 
وتعني السيطرة التركية على عفرين بالنسبة لإيران أنها لم تتمكن من عرقلة الاتفاق الروسي-التركي، والذي شعرت بأنه همّشها كفاعل رئيسي على الأرض. وستسعى إيران الآن للتعامل مع الأمر الواقع وتجاوز خلافاتها مع تركيا، والعمل على نشر نقاط مراقبة في محيط بلدتي نبل والزهراء. 
وحدات الحماية الكردية 
تعتبر السيطرة على عفرين بالنسبة لوحدات الحماية الكردية انتهاء عملياً لطموح الوصول إلى البحر المتوسط وسيناريو وصل كانتون الجزيرة بنظيره الذي كان قائماً في عفرين، بالإضافة إلى رفع مستوى الخطر الذي يواجهه مصير تواجدها في منبج شرق حلب، وكذلك الحال لما بقي لها من وجود في حيي الشيخ مقصود والأشرفية داخل مدينة حلب. 
وربّما مثّلت السيطرة على عفرين نقطة فارقة بالنسبة لحزب الاتحاد الديموقراطي، من ناحية الكيفية التي تعامل من خلالها الحلفاء الدوليين سواءً أكانت الولايات المتحدة الأمريكية أم روسيا؛ حيث لم تولِ هذه الأطراف أيّة أهمية إلى المطالب التي تم تقديمها لحماية عفرين، وتم التخلي عنهم. 
وعلى مستوى الحاضنة الشعبية للحزب، مثّلت خسارة عفرين واحدة من أكبر لحظات الانكسار منذ تأسيسه على الإطلاق، فما أطلق عليه الحزب "مقاومة العصر" لم تتمكن من الصمود لأقل من شهرين، رغم أن المعركة كانت تفتقر تماماً لعنصر المفاجأة، فالقيادة التركية تعلن منذ شهور طويلة عن نيتها في إطلاق المعركة، وتسارع هذا الإعلان بشكل كبير خلال الفترة التي سبقت إطلاق المعركة!. 
كما أن الحزب بدا أمام حاضنته في سوريا وخارجها ضعيفاً في حساباته السياسية، وتبيّن أن شبكة حلفائه الدوليين والإقليميين لم تكن شبكة حماية حقيقية. وظهر كحركة سياسية مخدوعة، أو كحركة كانت تبيع وهم النفوذ الدولي لمناصريها. ومن المعتقد أن الحزب سيحتاج فترة طويلة قبل أن يتمكن من تجاوز تداعيات زلزال عفرين، هذا إن لم يواجه الحزب خسائر مماثلة في منبج أو غيرها، وهو ما سيتركه أمام سيناريوهات قاسية. 
روسيا
رغم انطلاق عملية غصن الزيتون في عفرين بتوافق ثلاثي بين تركيا وروسيا وإيران، لكن بعد انقضاء شهر على المعارك كانت التوقعات تصب في صالح معركة غير قصيرة الأمد مقارنة مع الإنجاز غير السريع والتحصينات العسكرية الكبيرة التي استخدمتها وحدات الحماية الكردية، إضافة إلى ظهور نوع من عدم الثقة بين الضامنين الدوليين الثلاثة، حيث عبّرت روسيا عن قلقها ودعت جميع الأطراف لضبط النفس وأكدت على عدم تخليها عن كرد سوريا، وبررت موقفها بمحاولة خلق ظروف تعدها تركيا تهديداً لأمنها القومي. ويظهر هذا الموقف من روسيا من خلال وساطتها لعقد اتفاقٍ عسكري بين قوات سوريا الديموقراطية وبين النظام السوري بشأن عفرين خلال الأسابيع الأولى للعملية. 
لكن يبدو أن أنقرة وروسيا استطاعتا تجاوز العراقيل التي تخللت التفاهم بينهما، حيث أصبح الموقف الروسي أكثر وضوحاً بعد شهر من انقضاء العملية، ويبرز ذلك من خلال تصريح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال فيه، إن تركيا أحبطت نشراً محتملاً لقوات سوريّة في منطقة عفرين شمال غرب سوريا بعد محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبناءً عليه اتهمت وحدات الحماية الكردية روسيا بوضع العقبات أمام الاتفاق حول دخول النظام السوري إلى عفرين لمواجهة الهجوم العسكري التركي. 
ويبدو أن روسيا لم تجد أي داعٍ للتمسك بدعم وحدات الحماية الكردية، خصوصاً وأنها تريد تحقيق مزيد من الثقة والتعاون مع تركيا من أجل إنجاح مسار أستانا وسوتشي، إضافة لكون قوات سوريا الديموقراطية أحد الأطراف الرئيسية التي ستكون طرفاً في صراع الوكالة بين موسكو وواشنطن في مناطق حوض الفرات شرقي سوريا. 
ما سبق، يوضح أن سيطرة تركيا على عفرين باتت تعني بالنسبة لروسيا خطوة متقدمة لاستكمال مسار مباحثات أستانا وسوتشي والتوصل لاتفاق جديد يخص مناطق خفض التصعيد الرابعة وتجاوز نقاط الخلاف حولها. كما يبرزها كفاعل رئيسي ومسيطر في سوريا، يمكنه أن يضمن اتفاقاته مع الآخرين، ويفرضها على حلفائه، بمن فيهم النظام وإيران. 
الولايات المتحدة
كانت تصريحات التحالف الدولي والولايات المتحدة الأمريكية منذ انطلاق عملية غصن الزيتون توحي بتحفظ على طبيعة المعركة، لكن هذه التصريحات لم تكن عملياً سوى غطاء دبلوماسي لسياسة النأي بالنفس عن المعركة، وإخراج لتوافق مع الطرف التركي على استلام عفرين. 
ولم يتضح للآن طبيعة الاتفاق الذي جرى بين الولايات المتحدة وتركيا فيما يتعلق بعفرين، وما إذا كان هناك اتفاق أو مسار تفاوضي حول بقية مناطق الإدارة الذاتية، وخاصة منبج. لكن حسم عملية غصن الزيتون لصالح تركيا، سيزيد من الإلحاح التركي للتوصل إلى اتفاق، إن لم يكن قد تم التوصل إليه بعد. 
كما أن من المتوقع إن التغيير الذي شهدته وزارة الخارجية الأمريكية في الأسبوع الماضي سيؤثر على أي اتفاق سابق أو على مسار تفاوضي قائم بهذا الخصوص بين واشنطن وأنقرة. 
النظام السوري
ظهر النظام السوري في عملية غصن الزيتون هزيلاً أكثر من أي طرف آخر. فرغم أنه يملك نظرياً السيادة القانونية على عفرين، ورغم رفضه العلني للدخول التركي إليها، أو إلى أي جزء آخر من سورية، إلا أنه كان عاجزاً بشكل مطلق عن التأثير على المجريات الميدانية أو حتى السياسية، وبدا مستسلماً بالكامل لواقع تحوّل فيه إلى طرف هامشي، لا يختلف فيه كثيراً عن واقع فصائل المعارضة أو قوات سوريا الديموقراطية!. 
وقد عملت آلة النظام السياسية والإعلامية على تجاهل عملية غصن الزيتون بأكبر قدر ممكن، لصالح تغطية مكثفة للتقدم الميداني الذي يجري إحرازه في الغوطة الشرقية، في محاولة لترميم الضرر الذي ألحقته العملية العسكرية التركية في عفرين. 
 
ثالثاً: ماذا بعد السيطرة على عفرين؟ 
مع انتهاء عملية غصن الزيتون من تحقيق أبرز أهدافها، فإنّ الفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين سيواجهون جملة من التحديات والتداعيات في المرحلة المقبلة. وسوف يؤثّر شكل تعاملهم مع هذه التحديات في الشكل المقبل للعلاقة بينهم في أي حل سياسي قادم. 
ويمكن إجمال هذه التحديات بحسب الفاعلين كما يلي:  
تركيا
تواجه تركيا ثلاثة ملفات رئيسية بعد انتهاء عملية غصن الزيتون في عفرين، وهي: 
1. عودة الأنظار لمنطقة خفض التصعيد الرابعة في الشمال السوري، وضرورة الانتهاء من الملفات الخلافية بين تركيا والضامنين الدوليين، والتي تتعلق بمصير هيئة تحرير الشام، وحدود هذه المنطقة وأماكن انتشار نقاط المراقبة فيها وقد تبرز إلى الواجهة منطقة سهل الغاب من جديد. 
2. توجه الأنظار إلى منطقة منبج شرقي حلب وإمكانية نقل الاتفاق بين الجانبين الأمريكي والتركي إلى أرض الواقع وبشكل مرضي لكليهما. 
3. سعي تركيا الحثيث لإنجاح نموذج الحكم المحلي في عفرين نظراً لخصوصيته المذهبية والعرقية، وستعمل في ذلك على نقل نموذج درع الفرات، مع التعديلات التي تفرضها خصوصية عفرين. 
فصائل المعارضة السورية
ستكون المعارضة السورية بعد السيطرة على مدينة عفرين أمام تحديات عدة على الصعيد العسكري والأمني والحكم المحلي وهي: 
1. عسكرياً: سيكون الجيش الوطني أمام تحدي استمرار العمليات القتالية ضد ما بقي من وحدات الحماية الكردية في منطقة تل رفعت ومحيطها شمال حلب، وربما مواجهة ميليشيا "القوات الشعبية" الموالية للنظام السوري مع الاقتراب من نقاط التماس مع هذا الأخير، لا سيما في محيط نبل والزهراء. 
وسيكون الجيش الوطني وهيئة تحرير الشام أمام تحدي التعامل مع نقاط التماس فيما بينهما بريف إدلب الشمالي، فإما أن يدخل الطرفان باقتتال مباشر أو يتم التوصل لاتفاق يقضي بنشر قوات فصل مؤلفة من فصائل محايدة على رأسها فيلق الشام، أو أن تبقى الأمور على ما هي عليه لفترة معينة حتى إيجاد مخرج يرضي الطرفين ويستجيب لمخاوف كل منهما. 
2. أمنياً: تعتبر عملية ضبط الفوضى وفرض الأمن أبرز التحديات التي تواجه الفصائل العسكرية المسيطرة حالياً على منطقة عفرين، وقد صرّحت وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة رغم محدوديّة قدرتها بأنها بصدد اتخاذ عدد من التدابير للحد من عمليات السطو والفلتان الأمني الذي انتشر عقب السيطرة على مركز مدينة عفرين، بالإضافة لوجود تحدٍّ آخر بملاحقة الخلايا المختبئة التابعة لوحدات الحماية الكردية. 
3. الحكم المحلي: قد يكون إنجاح نموذج الحكم المحلي في عفرين من أهم الأمور التي تسعى تركيا لتنفيذها. 
وحين الحديث عن الحكم المحلي لا بدّ من التطرق إلى طبيعة العلاقة ومستقبلها بين هيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سوريا، حيث ستكون مناطق الطرفان بعد السيطرة على عفرين أمام احتمالين، وهما: 
- أن تبقى مناطق جبهة تحرير سوريا خاضعة لها وتسمح لمؤسسات الحكومة المؤقتة بالعمل لكن دون أن تنخرط قواتها العسكرية بالجيش الوطني. وينطلق هذا الاحتمال من اعتبار وجود رغبة لدى قيادة الجبهة في طرح نموذج حكم جديد في الشمال السوري. 
- أن يتم الاتفاق بين جبهة تحرير سوريا وهيئة تحرير الشام، بشكل مرضي لكلا الطرفين وتجاوز الخلافات المتعلقة بتحديد الجهة المتنفذة بقرار السلم والحرب في الشمال السوري، وبالتالي تصبح مناطق الطرفين تابعة لحكومة الإنقاذ. 
حزب الاتحاد الديموقراطي
سيركّز حزب الاتحاد الديموقراطي بعد عفرين بالدرجة الأولى على إعادة النظر في حساباتهم السياسية مع الحلفاء والرعاة الدوليين والإقليميين؛ وعلى التعامل مع الأضرار والخسائر السياسية والشعبية التي خلّفتها المعركة داخل الحزب وفي مناطق سيطرته، وحتى خارجها. 
الولايات المتحدة الأمريكية
ستكون الولايات المتحدة بعد السيطرة التركية على منطقة عفرين أمام تحدي إنجاز اتفاق مع تركيا يخص منطقة منبج الخاضعة لنفوذها عسكرياً وسياسياً، وبصرف النظر عن المدة الزمنية التي قد يستغرقها هذا الأمر، لكن يُمكن الاعتقاد أن هناك عدة احتمالات لشكل هذا الاتفاق وهي: 
1. سيطرة تركية – أمريكية مشتركة على منبج، على أن تصبح المنطقة خالية من التواجد العسكري لوحدات الحماية الكردية التي يُفترض أن تنسحب نحو شرق الفرات، مقابل تقديم أنقرة اعترافاً ضمنيًّا بإقليم شرق سوريا يصاحبه مطالب لها، من قبيل حل البنية العسكرية لقوات سورية الديموقراطية أو تحويلها لقوة عسكرية منفصلة عن وحدات الحماية الكردية مما يعني بكل تأكيد انفصالها التام عن حزب العمال الكردستاني وتقديم ضمانات من قبل واشنطن حيال ذلك. بالإضافة لمطالب تركية أخرى من قبيل الانخراط بإعادة الإعمار في شرق الفرات ومشاركة أكبر للعشائر العربية في حكم المنطقة. وربما يكون من ضمن المطالب التركية أيضاً ضرورة اتخاذ واشنطن لموقف محايد أو داعم في حال رغبت تركيا بإلحاق مدينة حلب أو أجزاء منها لسيطرتها، وهذا ما يستدعي إما المواجهة مع إيران أو الاتفاق معها أيضاً. وليس من المستبعد أيضاً أن يكون التدخل التركي شمال العراق من أحد المطالب.  
2. أن تسيطر تركيا بمفردها على منبج، مقابل انسحاب القوات العسكرية الأمريكية وحليفها المحلي وحدات الحماية الكردية باتجاه شرق الفرات، مقابل اعتراف تركيا بمناطق الحكم هناك. وأيضاً قد تشمل الاتفاق مطالب أخرى من الجانبين بما فيها شكل وآلية وبنية الجهة الحاكمة في شرق الفرات، وأيضاً الحديث عن مصير مدينة حلب في حال أرادت تركيا إلحاقها بسيطرتها.