تقدير الموقف

الاستهداف الروسي لقوات سورية الديموقراطية رسائل محدودة أم بداية مواجهة؟

أولاً: مدخل 
على مدار السنوات السابقة، كان ينظر إلى قوات حماية الشعب، والتي أصبحت لاحقاً عماد قوات سورية الديموقراطية (قسد) كحليف لنظام الأسد. حيث أثمر تحالف الأمر الواقع منذ عام 2012 في تحييد المناطق الكردية من الصراع بين النظام والمعارضة، ومنح حزب الاتحاد الديموقراطي، فرصة تأسيس كيان سياسي شبه مستقل، حتى أصبح في بداية شهر أيلول/سبتمبر الماضي ثاني أكبر قوة مسيطرة في سورية بعد النظام وحلفائه الأجانب. 
لكن الضربتين الروسيتين لقوات قسد شرق دير الزور والتهديدات اللاحقة باستهداف هذه القوات إذا ما تعرضت لقوات الأسد نقطةَ تحولٍ في مسار العلاقات بين محور روسيا – إيران – نظام الأسد من جهة، ومحور الولايات المتحدة وقوات قسد من جهة أخرى.
ويقرأ هذا التقرير أبعاد الضربتين الروسيتين، وأثرهما على العلاقة بين المحورين، وما إذا كانت هذه الضربات قد جاءت لتوجيه رسالة إلى قسد أو إلى جهات أخرى، أو أنها تحمل مؤشرات لمواجهة أكبر. 

ثانياً: عرض
أعلنت قوات سورية الديمقراطية (قسد) تعرضها يوم 16 أيلول/ سبتمبر لقصف من الطيران الروسي والسوري في محافظة دير الزور، مما أسفر عن إصابة (8) من مقاتليها.
واستهدفت الغارات التي تُعدّ الأولى من نوعها روسياً مقاتلي (قسد) المتمركزين في المنطقة الصناعية، شمال شرق دير الزور، على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
ورغم أن موسكو نفت الحادثة في وقت لاحق، إلا أنها اتهمت (قسد) في 19 أيلول/ سبتمبر بعرقلة تقدم قوات الأسد والمليشيات الموالية لها نحو الشطر الشرقي من مدينة دير الزور، وتعرض الأخيرة لإطلاق نار من جهة الشمال، بعدما تمكنت مؤخراً من فك الحصار الذي فرضه تنظيم داعش على الشطر الغربي الذي كان لا يزال يخضع لنظام الأسد.
واتهمت موسكو التحالف الدولي بفتح سدود على نهر الفرات لعرقلة عبور قوات النظام للنهر، حيث أعلن بيان لوزارة الدفاع الروسية أنه بعد ساعات من بدء عبور القوات النظامية السورية نهر الفرات ارتفع منسوب المياه وتضاعفت سرعة الجريان المائي لتبلغ مترين، في خطوة لعرقلة تقدم تلك القوات.
وفي 21/9/2017 قالت وزارة الدفاع الروسية إن موسكو أبلغت الولايات المتحدة بأنها سترد على إطلاق النار من مناطق قوات سورية الديمقراطية. وأضافت الوزارة أن قوات النظام تعرضت مرتين لإطلاق نار من مناطق شرق الفرات، حيث يوجد مسلحو قوات سورية الديمقراطية وعسكريون أميركيون.
وفي 25/9/2017 قالت قسد إن القوات الروسية قامت باستهداف قواتها المتمركزة في موقع حقل كونيكو للغاز شمال شرق دير الزور.
وتأتي هذه التطورات بعد أن بدأت قوات قسد المدعومة أمريكيا وقوات النظام المدعومة روسياً في شهر أيلول/سبتمبر معاركها المنفصلة شرق نهر الفرات وغربه للسيطرة على محافظة دير الزور. وتمكّنت قوات النظام في بداية الشهر من الوصول إلى مدينة دير الزور وفك الحصار عن جنودها هناك، ثم قامت في 18/9/2017 بعبور النهر إلى الشطر الشرقي، حيث تدور المعركة بين تنظيم داعش من جهة، وقوات سورية الديمقراطية من جهة أخرى.
وبحسب الجيش الروسي، فإن قوات الأسد تمكنت من استعادة أكثر من 60 كم2 من تنظيم داعش في الضفة الشرقية لنهر الفرات.

ثالثاً: تضارب المصالح
ظلت المليشيات الكردية السورية وقيادتها السياسية المتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي، وهي الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً مسلحاً في تركيا منذ عقود، حليفاً شبه معلن لنظام الأسد، منذ أن أبرم الأخير معها اتفاقاً في عام 2012؛ يقضي بمنحها السيطرة العسكرية والأمنية والإدارية لثلاث كانتونات إقليمية منفصلة شمال البلاد، وهي عفرين وعين العرب والقامشلي.
وحافظت وحدات حماية الشعب، الذراع المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي، في مقابل ذلك، على وجود رمزي لقوات النظام الحسكة والقامشلي، ومنعت أي نشاط معارض لنظام الأسد في مناطق سيطرتها. 
نقطة تحول عين العرب
مع انطلاق معركة عين العرب في أيلول/سبتمبر 2014 بين المليشيات الكردية وتنظيم داعش وانضواء هذه المليشيات تحت التحالف الدولي، بدأت مرحلة جديدة بالنسبة لحزب الاتحاد الديموقراطي، حيث خرج فيها من رحم العلاقة الضرورية مع النظام، نحو فضاء العلاقات الأوسع مع الولايات المتحدة. 
ومع الدخول العسكري الروسي إلى سورية، تأسست علاقة مباشرة بين الطرفين الكردي والروسي، وأخذت هذه العلاقة الشكل الفني العسكري بالمجمل. وتطوّرت العلاقة بين الطرفين إبان التوتر في العلاقات التركية-الروسية على خلفية إسقاط طائرة روسية في نهاية عام 2015. 
بداية الصدام
شهدت مدينة الحسكة بالتحديد حالات توتر بين الطرفين تجسدت في شكل اشتباكات محدودة، سرعان ما تم احتواؤها، لا سيما أن وحدات حماية الشعب لم تكن قد خرجت من إطار العلاقة الوظيفية مع نظام الأسد، ولكن الاشتباكات التي شهدتها الحسكة في 18/1/2015 كانت مختلفة، بعد أن تحوّلت العلاقة بين الطرفين من الشكل الوظيفي إلى حالة الندية. وكانت الاشتباكات قد اندلعت آنذاك إثر اعتقال وحدات حماية الشعب لعشرة من عناصر قوات النظام، بعد قيامهم بما وُصف بـ "ممارسات استفزازية".
ويُلاحظ أن الحسكة تشهد أبرز الاحتكاكات بين الطرفين، حيث تسيطر الوحدات الكردية على ثلث أحياء المدينة وهي الأحياء ذات الغالبية الكردية، فيما يسيطر النظام على سائر الأحياء. 
الرقة وبداية التنافس
ومع انطلاق معركة الرقة الرامية لدحر تنظيم داعش منها، بداية حزيران/يونيو الماضي، على يد قوات سورية الديمقراطية، برزت محطة جديدة للتوتر بين النظام السوري والمليشيات الكردية، ولكن هذه المرة على شكل التنافس العسكري على تحرير الرقة، لقطع الطريق أمامها نحو تحقيق المزيد من المكاسب مما لم يجر الاتفاق عليه بينهما.
لكن عدم رضا النظام عن التوسع الكردي تجاه الرقة لم يكن له أي أثر، إذ أن سيطرة قوات قسد على المحافظة كانت ضمن اتفاق روسي-أمريكي. وحتى عندما حاولت قوات النظام التحرك تجاه الرقة، بدفع إيراني على ما يبدو، تعرّضت للنيران الأمريكية، حيث قامت طائرة أمريكية في 18/6/2017 بإسقاط طائرة سوخوي 22 تابعة للنظام السوري جنوب مدينة الرقة. وهو الحادث الذي أدّى لوقف تحركات النظام نحو الرقة. 
دير الزور من التنافس إلى الصراع
شكلت معركة دير الزور وانطلاقها، بالتزامن مع تبدل الأوضاع الأمنية للنظام بفضل الدعم الروسي وإرساء اتفاقيات خفض التصعيد في معظم مناطق الجيش الحر والمعارضة، بوابة لاندلاع صراع مباشر بين الجانبين، بعد ان كان التنافس سمة العلاقة بينهما في الآونة الأخيرة.
ويبدو أن معركة السيطرة على محافظة دير الزور لم تكن موضع اتفاق كامل بين روسيا والولايات المتحدة، أو أن الطرف الأمريكي لم يجد فعلياً الشريك العربي الذي يمكن الاعتماد عليه على الأرض، وبالتالي فإنه لم يمانع في دخول النظام على خط المعركة.
ويطرح الاستهداف الروسي الأخير لقوات سورية الديموقراطية، وغياب ردّة الفعل الأمريكية، احتمال أن لا يكون الوصول الكردي إلى ديرالزور موضع اتفاق روسي-أمريكي أصلاً، وإنما قراراً كردياً لم تمانع فيه الولايات المتحدة؛ دون أن تتبناه، هدفه الوصول الى كامل الضفة الشرقية لنهر الفرات وربما أبعد من ذلك قبل أن تصلها قوات النظام وروسيا وهذا ما أثار حفيظة النظام والروس والإيرانيين ودفعهم  بما أتاح المجال للقوات الموالية لروسيا لبدء عمليتها الخاصة هناك، ولاستهداف قوات سورية الديموقراطية أيضاً. 
حسابات المحاور
اتصفت علاقة روسيا بحزب الاتحاد الديموقراطي وقوات سورية الديموقراطية بالانفتاح والتنسيق الحذر، ولم تصل إلى حدّ تقديم الدعم العسكري المباشر. 
وشهدت العلاقة بين الطرفين تراجعاً في عام 2017 لأسباب عديدة، على رأسها تحسن العلاقات مع تركيا وتطبيعها، وهو ما تطّلب تغيراً في الموقف الروسي، دون أن يصل إلى درجة القطيعة مع حزب الاتحاد، كإغلاق مكتبه في موسكو أو وقف اللقاءات الفنية المشتركة. كما ترتبط العلاقة بين الطرفين إلى حد كبير بشكل طردي بمستوى التنسيق مع الولايات المتحدة في سورية. 
أما بالنسبة لإيران، فإن سيطرة قسد على محافظة دير الزور يعني تقويض الحلم الإيراني بتأمين طريق بري يصلها بالبحر المتوسط. وهو ما يدفع إيران للضغط بشكل كبير على الحليف الروسي من أجل تمكينها من الوصول إلى شرق النهر أو على الأقل غربه وصولاً الى شمال أو جنوب مدينة البوكمال  ، ومنها إلى الحدود العراقية. 
ومن جهته، فإنّ النظام السوري يتصرّف بناء على محصّلة التوازن الإيراني-الروسي، حيث لم يعد هذا النظام يملك القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية بحجم المشاركة في معركة دير الزور أو عدمها. 
وقد أدّى الإنجاز العسكري لقوات النظام، في بداية شهر أيلول/سبتمبر، بدعم كامل من الطيران الروسي، في الوصول إلى قلب أحياء مدينة دير الزور والخاضعة لسيطرة النظام والمحاصرة من قبل داعش منذ ما يقرب من ثلاث سنوات ، في بداية شهر أيلول/سبتمبر إلى منح النظام دفعة معنوية كبيرة لدى جمهوره 

رابعاً: السيناريوهات المحتملة
مثّل إطلاق قوات الأسد لمعركتها الخاصة للسيطرة على محافظة دير الزور بداية شهر أيلول/سبتمبر إعلاناً ضمنياً للمحور الذي تقوده روسيا أن محافظة دير الزور والمعركة مع تنظيم داعش هي شأن هذا المحور؛ وأن قوات قسد ليس مرغوباً بها هناك، وأن أي محاولة من الأخيرة لمواصلة الزحف داخل المدينة يعني إشعالاً للصراع المباشر بين الطرفين.
ويشير نفي روسيا المتأخر لقيام طائراتها بقصف قوات قسد في دير الزور إلى عدم رغبتها في تصعيد الموقف أو الدخول في معركة حقيقية مع الطرف المقابل، وإعطاء بعض الوقت لمفاوضات معينة مع الأمريكيين قد تفضي إلى نتيجة مرضية للطرفين.
وقد لفت الانتباه خلال الأسبوع الماضي الهجومات المرتدة التي قامت داعش بها ضد النظام السوري وأثخنت فيها الجراح في المناطق القريبة من السخنة وقطعها الطريق البري ثانية من تدمر الى دير الزور والتي يعتقد كثير من المراقبين أن مرد ذلك يعود الى قيام الأمريكيين بتخفيف القصف على داعش في المناطق التي تسيطر داعش فيها في البادية الشامية (الآن يتم العكس حيث يقوم الطيران الروسي بقصف المناطق الآهلة بالسكان والتي تسيطر داعش عليها في البادية الشامية غرب نهر الفرات من أجل الضغط عليهم ومنعهم من الهجوم على مواقع النظام في السخنة ).
المرجح أن قيام الروس بقصف قسد في كل من المنطقة الصناعية يوم 16 أيلول/سبتمبر الماضي ومعمل الغاز في كونيكو يوم 25 أيلول/سبتمبر، ومن ثم قيام النظام السوري بالقصف الوحشي لمعبر السفن النهري في العشارة غربي الفرات يوم 4 تشرين الأول/أكتوبر؛ انما هو رسالة للأمريكان ولقوات سورية الديموقراطية أنه ينبغي عليهم أخذ النظام السوري ومصالح الروس وإيران بعين الاعتبار، وإلا فإن نذر المواجهة المباشرة تلوح في الأفق، وأنه لابد من تقاسم النفوذ، وقد يكون خيار التقاسم جزيرة -شامية مناسباً لكل من الطرفين في المدى المتوسط ويفصل بينهما نهر الفرات 
يبقى أن السيناريو المرجح على المدى البعيد هو المواجهة بين قوات الأسد وقوات قسد، فبعد التخلص من تنظيم داعش، سوف يسعى النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون إلى استهداف القوات الكردية، والتي أصبحت منذ بداية شهر أيلول/سبتمبر قوة السيطرة الأكبر في سورية بعد النظام. 
لكن سيناريو المواجهة لا يعني أن يتمكن المحور الداعم للنظام من استعادة مناطق السيطرة الكردية، لأن هذا الأمر يرتبط بمدى الدعم والحماية الأمريكيين للكرد بعد انتهاء معركة التخلص من تنظيم داعش. كما أن الطرف الكردي لن يُسلّم مناطقه للنظام حتى في حالة رفع الغطاء الأمريكي عنه، فهو لم يعد ضعيفاً كما كان في عام 2011، وتذوّق خلال السنوات السابقة طعم السلطة والسيطرة، وبالتالي فإنه يمكن أن يذهب مع النظام إلى حد المواجهة الكاملة لو تطلب الأمر. 
لكن حزب الاتحاد الديموقراطي يُدرك في الوقت نفسه أن المواجهة الفعلية، في حالة رفع الحماية الأمريكية، لن تكون مع النظام وحده، بقدر ما ستكون مع محور سيشمل شركاء النظام الإيرانيين والروس بلا شك، كما سيشمل تركيا والعراق أيضاً!. 
ويدرك الحزب أن المواجهة العسكرية والسياسية والاقتصادية مع كل هؤلاء الفرقاء دفعة واحدة سوف تكون خاسرة بلا شك، ولذا فإنّ سيحاول التوصل إلى تفاهمات وتسويات تجنّبه المواجهة الشاملة. ولا يُعتقد أن التفاهم مع النظام سيكون الخيار الأفضل كما كان منذ عام 2012، وربما سيكون على الحزب مراجعة استراتيجياته وسياساته الإقليمية، وإنتاج خارطة طريق تؤمّن له الحفاظ على مكاسب السنوات الخمس الماضية.