دراسات

إذاعات الإعلام البديل في مناطق المعارضة

تمهيد
منذ هيمنة حزب البعث على السلطة في سورية في ستينيات القرن الماضي، احتكرت الدولة الأمنية فضاء الإعلام بكل أشكاله، واقتصرت ملكية وسائل الإعلام على الدولة وحدها، أو أفراد وجهات محسوبة عليها، وتحظى بالموافقة الأمنية.  
لكن خروج أجزاء كبيرة من سورية عن سيطرة النظام بدءاً من النصف الثاني من عام 2011، وانكسار جدار الخوف الذي بنته الأجهزة الأمنية، واهتمام المانحين بأصنافهم المختلفة بالمشاريع الإعلامية، ساعد في انطلاق العديد من إذاعات الإعلام البديل، جنباً إلى جنب مع قنوات فضائية وصحف مطبوعة. 
ومنذ عام 2014 درج استخدام اصطلاح "الإعلام البديل" بين أغلب العاملين ضمن وسائل الإعلام السوري التي أسسها معارضون للنظام، في تفسير يبدو وكأنه محاولة تقديم بديل عن وسائل الإعلام التي تدور في فلك المؤسسة الحاكمة في دمشق. وسوف يتم اعتماد هذا المصطلح في الدراسة، لتمييز الإذاعات التي ظهرت بعد عام 2011 عن غيرها. 
وبمرور الوقت بدأت تتشكل ملامح وحدود لخارطة هذا الإعلام البديل بما فيه الإذاعي، وقد تركّز مجهود كافة الإذاعات بالبث على موجات الـ FM بالدرجة الأولى، وشبكة Internet بالدرجة ثانية. كما قامت أغلبها بنشر المواد الإعلامية التي يتم إنتاجها على موقعي Sound cloud و YouTube.
وتتناول هذه الدراسة تجربة إذاعات الإعلام البديل غير الفصائلية في مناطق سيطرة المعارضة السورية، في الفترة ما بين 2011-2018، حيث تستعرض الظروف التي شجّعت على نشأتها ونموها بشكل كبير، ثم العوامل التي أدّت إلى انحسارها بعد ذلك. 

اولاً: إذاعات الإعلام البديل في سورية
1) النشأة
ظهرت إذاعات الإعلام السوري البديل على شكل مبادرات محلية في دمشق وحلب وإدلب، وقامت في معظمها على يد أشخاص لم يعملوا في مجال الإعلام مسبقاً. 
كانت إذاعة وطن FM السباقة إلى الساحة؛ حيث بدأ بثها التجريبي يوم 11 آب/ أغسطس 2011 من قلب العاصمة، وتحديداً من حي العمارة، وغطت الأحياء القديمة في "شارع بغداد، الجسر الأبيض، البرامكة، المهاجرين وركن الدين". وكانت إذاعة وطن هي الوحيدة التي تم تسجيل انطلاقتها في عام 2011، كما كانت أول إذاعة معارضة للنظام تبثّ من داخل الأراضي السورية منذ نحو نصف قرن.  
لكن عامي 2012 و2013 شهدا انطلاق (16) إذاعة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ويعود ارتفاع هذا النشاط في ذلك الوقت إلى عاملين أساسيين: 
الأول: استقرار الوضع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث كانت تلك الفترة هي المرحلة الذهبية في عمر المعارضة السورية على العموم، والعصر الذهبي للإعلام في سورية منذ الاستقلال وحتى الآن، قبل أن تبدأ بالانحسار في النصف الثاني من عام 2013 مع ظهور تنظيم داعش، وبدء عمليات اختطاف النشطاء والإعلاميين، بما أوقف "الربيع الإعلامي والتنموي" الذي كانت تشهده تلك المناطق.
الثاني: وجود الرغبة لدى المانحين من أفراد ومنظمات محلية ودولية في دعم الإذاعات المحلية. حيث تلقّت الإذاعات الناشئة دعماً مالياً ولوجستياً سخيّاً من منظمات دولية غير حكومية. ومن هذه المنظمات المانحة آنذاك الوكالة الفرنسية للتعاون الإعلامي CFI، ومنظمة Creative، ومنظمة Chemonics International الأمريكية. كما ساهمت منظمات أخرى بدرجة أقل، وأهم هذه المنظمات: منظمة دعم الإعلام الدولي IMS الدنماركية، ومنظمة الصحافة الحرة غير المحدودة FPU الهولندية. 
وحتى منتصف عام 2018، تمكّن فريق البحث من إحصاء (47) إذاعة ظهرت منذ عام 2011، توقف نحو ثلثها عن البث (الملحق في نهاية الدراسة)، فيما استمرت البقية بالعمل. وتوزّعت هذه الإذاعات في كامل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بما فيها تلك التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة السورية وقوات سوريا الديمقراطية وتنظيم داعش. 
2) الأهمية
حملت إذاعات الإعلام البديل أهمية كبيرة بالنسبة للمجتمعات المحلية وللمعارضة السياسية والعسكرية، وإدارات الإذاعات نفسها. وتختلف هذه الأهمية باختلاف مصالح أصحاب العلاقة. ويمكن استعراضها كما يلي: 
المجتمعات المحلية
قدّمت إذاعات الإعلام البديل خطاباً مختلفاً عن خطاب الإعلام الحكومي الذي عرفه السوريون لعقود سابقة، ومكّنتهم من الاستماع إلى معالجاتٍ لقضاياهم المحلية، والاستماع إلى الرأي والرأي الآخر، بعيداً عن خطاب الرأي الواحد الذي تعوّدوا عليه من الإعلام السوري. 
وازدادت أهمية الإذاعات المحلية بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر في مناطق سيطرة المعارضة، وبالتالي فإنّ مشاهدة القنوات الفضائية لم تكن متيسرة بشكل مستمر لكل الجمهور، وبالمقابل فإنّ الاستماع للإذاعة متاح في السيارات وأجهزة الراديو التي تعمل بالبطارية، وحتى على الهواتف الذكية. 

 

كما فتحت الإذاعات المجال أمام تثقيف وتوعية الرأي العام المحلي، ومارست في مرحلة ما نوعاً من المراقبة على عمل المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني، وحتى الفصائل المسلحة. لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلاً، نظراً لانتكاسة المرحلة الذهبية حتى قبل نضوجها. 
أصحاب المبادرة
ويُقصد بهم أولئك الروّاد الذين تولوا إطلاق المبادرات الإذاعية، وتحملوا مسؤولية إنشائها وإدارتها وتأمين التمويل اللازم لها. 
وقد وفّرت الإذاعات لهم بطبيعة الحال منصّات للتعبير عن الأفكار السياسية والاجتماعية التي يحملونها، وساعدتهم في توجيه الرأي العام. 
كما شكّلت هذه المبادرات مشاريع ربحية لبعضهم أيضاً، بعد أن تحوّلت بعض الإذاعات إلى مشاريع مدرّة للربح. 
وأقام القائمون على الإذاعات شبكات علاقاتهم الخاصة مع المانحين والفاعلين الخارجيين، وخاصة الأوروبيين منهم، وتمكّنوا من حضور اجتماعات في الكونغرس والبرلمان الأوروبي ولقاء شخصيات سياسية رفيعة في أوروبا والولايات المتحدة. وحوّل بعضهم هذه العلاقات لصالحه الشخصي من خلال الحصول على لجوء في أوروبا. 
3) الانتشار
شهدت إذاعات الإعلام البديل في سنواتها الأولى ازدهاراً وإقبالاً كبيراً من قبل الأهالي، والذين اعتمدوا عليها كمصدر رئيسي موثوق للحصول على المعلومة، ويعود ذلك لأسباب عديدة منها عدم الرغبة بالاستماع إلى إعلام النظام السوري بعد تزعزع الثقة فيه، وصعوبة متابعة شاشات التلفاز والقنوات الإخبارية العربية، نتيجة لانقطاع التيار الكهربائي لمدة طويلة. 
وفي أواخر العام 2013 بدأ الإقبال الشعبي على الإذاعات بالانخفاض، ويمكن عزو هذا الانخفاض إلى عدّة أسباب، أهمها: 
1. توفير الكهرباء بشكل أفضل مقارنة مع العامين السابقين، وبالتالي أصبح بإمكان الجمهور المنزلي متابعة الفضائيات، الأمر الذي يحصر الاستماع للراديو غالباً بشريحة الجمهور المتواجد خارج المنزل، وخصوصاً مستخدمي وسائل النقل.
2. توفر تغطية شبكات الإنترنت بشكل جيد، بما سمح للجمهور غير المنزلي الوصول إلى خيارات أوسع وأكثر تشويقاً، كمواقع التواصل الاجتماعي ومواقع البث المباشر للقنوات الفضائية. 
3. ضعف المهنية والخبرة التي نتجت عن عدم عناية القائمين على إدارة هذه الإذاعات بمأسسة عملها ورفع قدرات الكوادر لديها، وبالتالي فإنّ هذه الإذاعات لم تتمكن من المنافسة عندما توفّرت البدائل لدى الجمهور. 
4) الإدارة
تشكّلت المنظومة الإدارية لإذاعات الإعلام السوري البديل من مبادرات فردية، وكان معظم العاملين في الإذاعات من غير ذوي الخبرة السابقة في المجال الإذاعي، أو حتى الصحفي بشكل عام. 
وبدت الإذاعات بالنسبة لمعظم أصحاب المبادرات خياراً ميسراً، بالمقارنة مع الكلف الكبيرة للقنوات التلفزيونية، أو الحرفية الفنية المطلوبة لإصدار الصحف والمجلات. 
وانعكس غياب الخبرة الفنية والصحفية لدى القائمين على الإذاعات في ضعف المأسسة وغياب الاستراتيجية الإعلامية، والتركيز على الإنتاج الكمي على حساب النوع، إضافة إلى ضعف الإدارة المالية والإدارية، والتي أدّت إلى قضايا فساد وسوء إدارة مالية. 
5) الجهات المانحة
اتصفت أولى مبادرات إذاعات الإعلام البديل بأنها كانت محلية التخطيط والإدارة، وسورية التمويل. إلا أن الجهات الدولية الداعمة ساهمت بشكل كبير في تطوير الفكرة وتحويلها إلى شكل أكثر احترافي، وشجّعت العديد من الأفراد على الانخراط في هذا القطاع. 
وقدّمت العديد من الجهات المانحة، وخاصة في الفترة من 2012-2013 تدريبات مكثّفة في دول الجوار لعدد كبير من النشطاء في المجالات الإعلامية كافة، بما في ذلك المجال الإذاعي، كما قامت بتقديم الأجهزة الفنية اللازمة لتطوير العمل. 
واعتمدت المؤسسات المانحة أسلوبين في تقديم الدعم، يقوم الأول على تبني الإذاعة كمشروع بالكامل، أما الثاني فيقوم على تمويل برامج بعينها. وهما أسلوبان متعارف عليهما دولياً بين المانحين في التعامل مع الإذاعات. 
وأخذ العديد من الناشطين على المؤسسات المانحة أنها وجّهت باتجاه التركيز على قضايا اعتبروها ثانوية، كالرقابة على المجالس المحلية وقضايا المرأة والطفل، على حساب تناول الشأن السياسي والعسكري. 
كما أُخذ على بعض المؤسسات المانحة قيامها بتمويل إذاعتين أو أكثر في الآن نفسه، بما ولّد حالة من التنافس السلبي بين الإذاعات، وحوّل هدف العمل فيها إلى محاولة إرضاء المانح على حساب الإذاعات المنافسة الممولة منه.  
وتنبغي الإشارة هنا إلى جزء مهم من المشكلة، وهو إحجام معظم المانحين السوريين، من أفراد ومؤسسات، عن دعم المشاريع الإعلامية ككل، مقارنة مع المشاريع الخيرية والإنسانية والعسكرية، الأمر الذي ترك وسائل الإعلام، وخاصة ذات الكلف المرتفعة كالمحطات الفضائية ثم الإذاعات والصحف، أمام فرصة تمويل المنظمات الدولية وحدها. كما أن الأوضاع الاقتصادية في المناطق المستهدفة ألغت فكرة الاعتماد ولو جزئياً على الإعلانات التجارية، على غرار ما تقوم به الإذاعات المماثلة في الدول والمناطق الأخرى، بما فيها المناطق التي يُسيطر عليها النظام.  
 
ثانياً: التهديدات والمخاطر التي واجهت إذاعات الإعلام البديل
بعد التوسّع الكبير في عدد إذاعات الإعلام البديل في مناطق المعارضة خلال عام 2012 و2013، شهدت الأعوام التالية انحساراً في هذا العدد، نتيجة لتوقف عدد من هذه الإذاعات، كما انحسرت مساحات البث بالنسبة لما تبقى منها، وتحوّلت إذاعات أخرى إلى فضاء الإنترنت بدلاً من البث المباشر عبر الموجات القصيرة. 
ويمكن إجمال التهديدات والمخاطر التي سببت هذا فيما يلي: 
1) التهديدات والمخاطر الموضوعية 
عملت إذاعات الإعلام البديل داخل سورية في بيئة استثنائية بكل تفاصيلها، وبالتالي فإنّ أداءها ينبغي أن يُحاكم بالقياس على الظروف العسكرية والاجتماعية المحيطة، ولا يمكن تقييم هذا الأداء بالمقارنة حتى مع الإذاعات العاملة في مناطق النظام أو مناطق الإدارة الذاتية، حيث تتوفّر بيئة سياسية وأمنية مستقرة إلى حد كبير، كما تتوفر وحدة القرار السياسي والأمني. 
وعلى مدار السنوات الستة الماضية، شهدت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تغيّرات مستمرة في مساحتها الجغرافية وفي القوى المسيطرة عليها، كما شهدت تنقلات حادّة بين ظروف الحرب القاسية وحالات الاستقرار والهدوء النسبي. كما أن عدد السكان في كل منطقة تقريباً استمرّ بالتغيّر بشكل حاد. 
كما أن الأوضاع الأمنية والسياسية منعت المنظمات والأفراد الأجانب من دخول هذه المناطق، وحدّت بشكل كبير من إمكانية خروج المقيمين فيها خارج سورية، وأوقفت الأعمال البنكية بشكل كامل. إلى غير ذلك من التداعيات التي تركت أثراً كبيراً على حالة المأسسة والعمل المهني في كل المنظمات والمؤسسات العاملة في هذه المناطق. 
2) التهديدات والمخاطر السياسية
- السياسة الأمريكية في سورية
في نهاية عام 2015 بدأت الجهات المانحة بتخفيض نسبة الدعم المُقدّم لإذاعات الإعلام السوري البديل، ومع منتصف 2016 وصلت نسبة خفض مستوى الدعم للحد الأعلى، مما أدى إلى إغلاق أول إذاعة سورية في شهر أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، وهي "صوت راية"، وتبعها إذاعات أخرى في عام 2017. وبالمقابل شهد هذا العام افتتاح إذاعات أخرى، خصوصاً في مناطق الإدارة الكردية، وكان بعض مراكز بثّ تلك الإذاعات من داخل الولايات المتحدة الأمريكية. 
وترافق إيقاف دعم بعض إذاعات الإعلام السوري البديل مع اعتماد الولايات المتحدة سياسة الانسحاب من الملف السوري عموماً، بالترافق مع الحضور الروسي على الأرض. وانعكس هذا الانسحاب في كل القضايا المرتبطة بالمعارضة، فقد خفّضت واشنطن حضورها الدبلوماسي مع المعارضة، بما في ذلك حضورها في مسار جنيف التي تشارك في رعايته، كما خفّضت من دعمها وحضورها لغرف العمليات المشتركة في تركيا والأردن، إضافة إلى تخفيض المبالغ المخصصة لدعم البرامج المدنية في سورية، بما في ذلك برامج الإعلام.  
وأدّت معطيات الحرب على تنظيم داعش، والاصطفافات الإقليمية التي رافقتها، إلى نقل الاهتمام الأمريكي، ومن ثم الأوروبي، من مناطق سيطرة المعارضة إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية، خاصة مع الوجود الأمريكي المباشر في هذه المناطق. وقد بلغ عدد الإذاعات العاملة في هذا البقعة الجغرافية 17 إذاعة. 
وتعود أهمية السياسة الأمريكية في هذا المجال إلى أن الولايات المتحدة هي الممول الأكبر في العالم للمنظمات والمشاريع غير الحكومية، كما ان الاتحاد الأوروبي، والذي يحل في المرتبة الثانية في سلم الممولين في العالم، يلتزم عموماً بالسياسات والتوجهات الأمريكية، وخاصة في سورية. 
- ظهور تنظيم داعش
أدّى ظهور تنظيم داعش في شهر نيسان/أبريل 2013 إلى تغيير شكل المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة في الشمال بالكامل. فقد شهدت الفترة التالية لتأسيسه عمليات اختطاف واغتيال استهدفت نشطاء إعلاميين وإغاثيين على وجه الخصوص، ولم تُعرف آنذاك الجهة المسؤولة عن هذه الجرائم، إلى أن حصلت المواجهة العلنية بين التنظيم وبقية الفصائل في نهاية عام 2013، وتم الكشف وقتها عن مقتل واختطاف العشرات من الإعلاميين على يد التنظيم. 
ودفعت هذه الجرائم إلى إنهاء الحراك المدني الذي شهدته مناطق سيطرة المعارضة، بصورة غير مسبوقة في التاريخ السوري منذ الاستقلال، ودفعت كل المنظمات الأجنبية إلى إغلاق مكاتبها وإنهاء تواجدها بالكامل في مناطق سيطرة المعارضة، كما دفعت بعشرات الإعلاميين إلى مغادرة سورية، الأمر الذي ساهم بإيقاف العديد من المشاريع الإعلامية بشكل فوري أو متدرج، أو عمل على نقل المشاريع الإعلامية خارج الأراضي السورية. 
- سياسة الفصائل 
لم تُبد الفصائل المسلحة، وخاصة جبهة النصرة، الكثير من التقبّل لوجود الإعلام الحر في مناطق سيطرتها، فعملت بشكل مستمر على منع توزيع الصحف، ومداهمة المقار الإعلامية، بما فيها إذاعات الإعلام البديل، ومصادرة أجهزتها التقنية واعتقال العاملين فيها. 
كما قامت هذه الفصائل بالاستيلاء على كل المناطق المرتفعة التي يمكن نصب أبراج البث الإذاعي فيها، وبالتالي فإنّها منعت إذاعات الإعلام البديل بشكل تلقائي من الوصول إلى الشرائح المستهدفة. ويختلف الأمر في مناطق النظام ومناطق الإدارة الذاتية، حيث يتم نصب الأبراج الإذاعية في المناطق المرتفعة، رغم أنها مناطق عسكرية، ويتم تقديم التسهيلات للفرق الفنية التي تحتاج الوصول إلى الأبراج، ويتم اعتبار الأبراج نفسها جزءاً من الأمن الوطني، لا تهديداً له! 
وأدّت هذه السياسات إلى الحد من قدرة الإذاعات على ممارسة العمل الإعلامي المطلوب منها، كما حدّت من رغبة المانحين في الاستثمار فيها، نتيجة لارتفاع مستوى المخاطر التي تكتنف هذا الاستثمار. 
3) التهديدات والمخاطر المهنية  
واجهت إذاعات الإعلام البديل عدداً من التهديدات المهنية من داخل القطاع نفسه، الأمر الذي انعكس على أدائه بشكل عام. وأهم هذه التهديدات هي: 
- غياب الاستراتيجية الإعلامية
لم تضع معظم الإدارات رؤية متكاملة لكيفية الوصول إلى شريحة أوسع من شرائح الجمهور؛ وكيفية التعامل مع تغير الميول والمزاج الشعبي بين المدينة والريف وبين فترة زمنية وأخرى. 
كما لم تضع أغلب تلك الإدارات استراتيجية مالية خارج إطار المانحين الدوليين. وينبغي هنا الإشارة إلى وجود محاولات لدى بعض الإذاعات في هذا المجال، ومنها على سبيل المثال لا الحصر إذاعة "نسائم سوريا"، لكن مساعيها جاءت في وقت متأخر ولم تحقق نتائج تذكر. 
ويلاحظ أيضاً ضعف الاهتمام بأخلاقيات المهنة، والتي تُشكّل في حدّ ذاتها آلية لحماية العاملين في الإعلام، وآلية لتحسين صورته الخارجية. ويشار إلى أن (38) وسيلة إعلام مختلفة تُحسب على المعارضة السورية وقعّت على ميثاق شرف، لكن قلة قليلة من الإذاعات البديلة التزمت به.
- غياب المأسسة
لم تستطع معظم إذاعات الإعلام البديل تشكيل هيكل تنظيمي واضح المعالم لها، مثل تعيين مجلس أمناء فعال ومخوّل باتخاذ القرارات اللازمة لإدارة المؤسسة، وتقسيم الأدوار على العاملين بشكل موضوعي. وعلى العكس تماماً، فإنّ معظم المؤسسات الإذاعية تحوّلت إلى نمط الشركات الشخصية الصغيرة، والتي يستحوذ فيها المالك على صناعة القرار في المؤسسة بالكامل. 
ولم تقم أغلب الإذاعات بتطوير الإنتاج والأداء الداخلي؛ رغم الإمكانيات السخية التي أتيحت لبعضها في فترة ما، وغابت برامج تدريب العاملين بشكل كلي تقريباً. ويعود هذا الأمر بشكل كبير إلى الطابع الشخصي للإذاعات، حيث يرغب مالك الإذاعة (وهو مديرها في الغالب) في تسيير عمل إذاعته، بالشكل الذي يكفي لإرضاء المانحين، ولا يسعى بالتالي لتطوير كفاءات العاملين لديه، خشية أن يتحوّلوا إلى عبء عليه، خاصة مع افتقاره هو للخبرات اللازمة، أو خشية انتقال الكفاءات إلى إذاعة أخرى. 
- غياب المراقبة والشفافية
تقع المسؤولية الرئيسية في الرقابة على إدارة الإذاعات، إضافة إلى دور الجهات المانحة والكوادر العاملة. 
وقد شابت معظم عمليات التوظيف في إذاعات الإعلام البديل إشكالات تتعلق بأسس انتقاء الأفراد، والمواقع التي يشغلونها، والتوصيف الوظيفي الخاص بهم. واعتمدت معظم الإذاعات –كغالبية المؤسسات العاملة في مناطق المعارضة– في التعيين على العلاقات الشخصية؛ الأمر الذي أفرز حالات من السيطرة العائلية، وتحولت بعضها إلى ملتقيات عائلية أو شللية. 
كما قامت بعض الإذاعات بالتلاعب بمصداقية التقارير التي يتم تزويدها للمانح حول نطاق البث الحي وساعات ملء الهواء. مستفيدين من الظروف الاستثنائية التي تمنع المانحين من الوصول إلى مناطق سيطرة المعارضة بعد عام 2013. 
وتعامل كثير من العاملين في الإذاعات مع وظائفهم باعتبارها مصدراً للدخل لا أكثر، ولم يُبدوا اهتماماً بتطوير قدراتهم الذاتية أولاً، كما لم يبد معظمهم اكتراثاً بسياسات الإذاعة وتوجهاتها، بقدر اهتمامهم باستمرار عملهم. 
أما الجهات المانحة فإنّها لم تقم على ما يبدو بالكثير من البحث والتقصي عن الجهات التي تقوم بدعمها، كما أنها اعتمدت بشكل كبير على التقارير التي تقدمها الإذاعات عن عملها.  
- عوائق تقنية وفنية
واجهتها العديد من فرق البث التابعة لإذاعات الإعلام البديل محدودية في نطاق مشارف البث التي يُمكن نصب الأبراج فيها، حيث تُحتم ضرورات الحرب مصادرة الفصائل العسكرية للمرتفعات والقمم العالية، وهي الأماكن التي تضمن للإذاعات عادة تأمين الوضع الأفضل للبث، بالإضافة لمعوقات أخرى متعلقة بتوفير اللوازم المادية والمحروقات والاتصالات في ظل تضييق تعرضت له فرق البث من قبل الفصائل العسكرية.
ويضاف إلى هذه المصاعب عدم توفر الخبرة التقنية والاحترافية الكافية لدى الفرق المسؤولة عن البث. 
4) التهديدات والمخاطر المالية  
تعدّ المشكلة المالية من أهم أسباب انحسار عمل إذاعات الإعلام السوري البديل. وتتوزّع مسؤولية هذه المشكلة بشكل رئيسي بين الإدارات والجهات الممولة، فهذه الأخيرة كانت تبرم عقود التمويل بشكل قصير المدى، بما لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة أشهر، نظراً لطبيعة خريطة السيطرة المتغيرة في المناطق الخارجة عن سيطرة المعارضة، بما يمنع الإذاعات من العمل بشكل استراتيجي، كما ساهم غياب الشفافية في التمويل في توليد منافسة سلبية بين الإذاعات. 
ومن ناحية أخرى، تغاضى الداعم عن عدم وجود عقود للكوادر أو رواتب لا تتناسب مع حجم الإنتاج، أو حتى التأكد من وجود كل الموظفين الذين تقوم الإذاعات بتسليم أسمائهم للجهة المانحة!
أما الإدارات فلم تستفد من فائض الدعم عندما يتوفر لتقوية بنية الإذاعات وتمكين خصوصيتها، إذ يشير عدد من الموظفين السابقين في بعض الإذاعات إلى أن إداراتها قامت بالاستفادة الشخصية من هذه الفوائض بشكل غير مشروع. 
 
ثالثا: أداء الإذاعات السورية البديلة منذ نشأتها
1) على مستوى الرأي العام
عرضت دراسة لمعهد WEEDOO في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 إحصائية لأعداد المستمعين لإذاعات الإعلام البديل في سورية. وأظهرت الإحصائية أن إذاعتين فقط، هما ARTA FM ونسائم سوريا، استطاعتا الوصول لأكثر من مئة مستمع على البث الحي عبر INTERNET خلال برامجهما الصباحية. ولم يتم التطرق لأسماء إذاعات أخرى نظراً لعدم قدرتها على الوصول للحد الأدنى من الجمهور. 
وغالباً ما تعكس هذه الإحصائية التي جرت بين 10 أيار/ مايو وبين 10 حزيران/ يونيو 2016، وجود عدم استجابة من شريحة عريضة من الرأي العام أو انجذاب نحو البث الحي لإذاعات الإعلام البديل، مقارنة مع تلك المتواجدة في مناطق النظام السوري، والتي كانت نسبة المستمعين إليها كبيرة مقارنة مع تلك التي في مناطق المعارضة. وفي بيانات الاستماع على موقع SOUND CLOUD يظهر أيضاً وجود ضعف في أعداد المستمعين، ويرجع ذلك غالباً إلى ضعف استراتيجيات الترويج وضعف جودة المحتوى أو عدم تناسبه مع تغير المزاج لدى الرأي العام(1)
لكن من المهم الإشارة إلى أن الاعتماد على نسبة الاستماع للبث الحي عبر الإنترنت لا يعطي مؤشراً فعلياً عن نسب الاستماع، إذ أن نسبة قليلة من السكان في المناطق الخارجة يملكون اتصال إنترنت جيد على هواتفهم أو حتى في منازلهم. ويتابع معظم السكان في سورية الإذاعة عبر أجهزة الراديو في المركبات أو المنازل. 
ولا يبدو أن أداء إذاعات الإعلام السوري البديل كان على قدر متناسب مع رغبات الرأي العام وتبدلات مزاجه والظروف المترافقة لذلك، خصوصاً مع تحكم وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بقدرة التأثير الأكبر على شريحة عريضة من الجمهور، ومع أن موقع Sound Cloud يتيح قدراً كبيراً من المنافسة، إلا أن استفادة الإذاعات منه كان محدوداً. 
2) على المستوى الداخلي
لم توفر إذاعات الإعلام السوري البديل عامل الاستقرار النفسي والمادي بالنسبة للعاملين فيها، الأمر الذي دفع الكثير من الكوادر لمغادرة هذا القطاع بالكامل.
وسُجلت خلال السنوات السابقة عدد من حالات الانتهاكات الواقعة بحق العاملين من قبل إدارات الإذاعات، لتضاف هذه الانتهاكات إلى جانب تلك التي ارتكبتها الفصائل والفاعلون العسكريون الآخرون، كالنظام وحلفائه وتنظيم داعش. 
ومن أبرز الأمثلة عن هذه الانتهاكات، القرار الذي أصدرته إدارة إذاعة روزنة في 9 كانون الثاني/ يناير 2017، والذي قضى بفصل فريق غازي عنتاب كاملاً، رداً على عدة مطالب تقدم بها العاملون بعد قرار مفاجئ بتخفيض رواتبهم، ومع أن الصحافيين العاملين في الإذاعة حاولوا الضغط على الإدارة بإصدار بيان بنفس التاريخ أعلنوا فيه إضرابهم عن العمل حيث استجابت لهم الإدارة وقامت بإرضائهم بعد الضغط الكبير الذي تعرّضت له، لكن مع مطلع شهر نيسان/ أبريل 2017 أي بعد 3 أشهر لم يبقَ من الفريق المُضرب المُكوّن من 14 شخصاً سوى 3 عاملين. ويعكس هذا الأمر تخلي الكثير عن عمله بسبب عدم الثقة بتلك الإدارات التي لا تؤمّن لهم حقوقهم، بالإضافة لمدى التعسف المتبع من قبل الإدارات بحق العاملين. 
ووفقاً لشهادات عاملين سابقين في إذاعات الإعلام البديل، فإنّ العديد من إدارات الإذاعات لم تُولِ اهتماماً كافياً بتطوير أداء العاملين فيها، ولم تظهر تقبلاً للنقد أو الملاحظات الموجهة من العاملين حول السياسة العامة للإذاعة وضرورة التغيير في المحتوى والتطوير في استراتيجيات النشر وتحقيق الاتصال. 
وقد خلقت هذه الهوّة بين العاملين والإدارات، أثراً سلبياً كبيراً في أداء العمل الإذاعي، والذي تحوّل لمجرد وظيفة لكثير من الكوادر الصحفية التي استطاع القليل منها تطوير قدراته بشكل ذاتي بعد بذل جهد إضافي على مستوى ساعات العمل والكم وإقامة العلاقات العامة والاستفادة منها في نفس المجال. 
3) على مستوى الممولين
يعتبر عدد من العاملين في إذاعات الإعلام السوري البديل أنّ أداء الممولين والجهات المانحة مع إذاعات الإعلام السوري البديل، لم يكن على قدر كافٍ من المسؤولية إزاء عمل هذه الأخيرة، فقد افتقدت العلاقة بين الطرفين للشفافية ونظم المراقبة والتقييم والمشاركة في وضع استراتيجية عمل لإدارات لا تمتلك الخبرة الكافية في هذا المجال. 
كما امتنعت بعض المؤسسات المانحة عن التجاوب مع تقارير رفعها عاملون في هذه الإذاعات إلى الجهة الممولة مباشرة، لتوضيح إشكالات قانونية ومالية تكتنف عمل الإذاعات التي يعملون بها. 
 
رابعاً: خلاصة 
شكّلت إذاعات الإعلام البديل عند انطلاقتها كسراً لاحتكار حزب البعث لفضاء البث في سورية، ومكّنت الأفراد العاديين من الوصول إلى الرأي الآخر عبر المذياع في مركباتهم ومنازلهم، وهو ما لم يعرفه السوريون منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي. 
وعملت هذه الإذاعات، مثلها مثل باقي المؤسسات الإعلامية وغير الإعلامية في المناطق الخارجية عن سيطرة النظام، في ظروف استثنائية من الجوانب، الأمر الذي انعكس على كل جوانب عملها، وكان سبباً في إيقاف عدد كبير منها. 
وغلب على العاملين في إذاعات الإعلام البديل غياب الخبرة السابقة بشكل كامل، الأمر الذي طبع العمل في عدد من هذه الإذاعات بطابع برامج الهواة الذين يعرفهم فضاء الإعلام الاجتماعي، لا طابع الإعلام الإذاعي المحترف أو حتى شبه المحترف. 
وأدّت الظروف السياسية والأمنية التي شهدتها مناطق سيطرة المعارضة إلى إغلاق معظم الإذاعات التي ولدت هناك أو هجرتها إلى الخارج، كما دفعت الممولين إلى وقف دعمهم لهذه الإذاعات، ومعظم المشاريع المستقرة في هذه المناطق.  
وتظهر خريطة انتشار إذاعات الإعلام البديل في منتصف عام 2018 أن ما يتواجد منها على الأراضي السورية انقسم بين مناطق الإدارة الذاتية الكردية ومحافظة إدلب فقط، فيما تتواجد (10) إذاعات تبث على الإنترنت، معظمها يستقرّ في تركيا. 
ولا تمكّن الظروف الحالية في داخل سورية من إجراء دراسة فعلية لمدى انتشار هذه الإذاعات أو تأثيرها على المجتمعات المحلية، أسوة بما يجري تنفيذه في أي مجتمع آخر. لكن من الممكن الجزم أن وصول الإذاعات المتواجدة في إدلب لا يتعدّى نطاق المحافظة بأحسن الأحوال، نتيجة لارتباط ذلك بعوامل فنية تحددها أبراج البث. أما تلك المتواجدة على الإنترنت فإنّها لا تصل إلى المواطن العادي الذي لا يملك الإنترنت أو لا يحسن التعامل معه، وهو ما يخرج الشريحة الكبرى من المواطنين داخل سورية. 
وبالمجمل فإنّ تجربة إذاعات الإعلام البديل أدّت خلال السنوات الماضية إلى اكتشاف خبرات إعلامية مميزة، وفتحت المجال إلى عدد كبير من المواهب الشابة، والتي أكمل بعضها في المجال الإذاعي، أو انتقل البعض الآخر إلى الإعلام المرئي أو إلى وسائط الإعلام الاجتماعي. 
وتحتاج إذاعات الإعلام البديل التي ما زالت مستمرة في عملها، وخاصة تلك المتواجدة في سورية، إلى عمل تقييم كامل لعملها، سواء من ناحية بنيتها الإدارية والمؤسساتية، أو من ناحية تأثيرها على المجتمع المحلي، وكيفية توسيع قدرتها على الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة. 
 
 
المراجع: