تقرير تحليلي

أزمة المحروقات في سورية الجذور والمكونات والمستقبل الممكن

مقدمة
لا يمكن تجريد أزمة المحروقات الحالية من جذورها السابقة، ولا يمكن فصلها بكل تأكيد عمّا سيحدث مستقبلاً من تطورات مبنية عليها. 
وقد شهدت السنوات الثمان الماضية عمليات تجارة ضخمة بالمحروقات؛ نشأت على أساسها إمارات وأشباه دول بموازنات تصل إلى مليارات الدولارات، كما في حالة داعش والنصرة والإدارة الذاتية الكردية، كما صنعت تجارة المحروقات الضخمة أسماء "رجال أعمال" جدد، كالقاطرجي والقطان وأحمد درويش، الذين صنعوا ثروات هائلة نتيجة عملهم في نقل المحروقات بين الفاعلين المختلفين، وهي واحدة من أهم الأعمال التي أفرزتها الحرب. 
واستدعت تجارة المحروقات بين مناطق السيطرة تخصيص الجيش والأجهزة الأمنية وحدات خاصة لحماية القوافل، ثم قامت لاحقاً بـ"تضمين" عمليات الحماية لميليشيات محلية متخصصة، كما سمحت هذه التجارة لعدد كبير من ضباط النظام وقيادات الشبيحة بالانخراط في عمليات البيع وتأمين الحماية والرعاية. 
وأدّى تآكل الجهاز الانتاجي في مصفاتي حمص وبانياس إلى إضعاف قدرة النظام على الاستجابة لمتطلبات السوق، حيث كانت الحكومة السورية تستورد أكثر من نصف احتياجات السوق من المازوت والبنزين من الخارج رغم أنها تصدر النفط، وقد تعرضت الأنابيب والخزانات وكذلك المصافي نفسها لعمليات تخريب أثرت على قدرتها الإنتاجية، فقد تلقت مصفاة حمص ضربات متعددة من فصائل المعارضة نتيجة استهدافها بشكل مباشر، كما تم ثقب الخزانات القريبة من قريتي المزرعة والزرزورية التي تتواجد فيها قوات شيعية بقيادة العقيد محمد أبو الزين (محسوبة على حزب الله) عشرات المرات بغية الحصول على المازوت(1) .
ويضاف إلى ذلك عامل مهم جداً في الأشهر الأخيرة، هو أن السفن التي تحمل كميات كبيرة من النفط لم تعد قادرة على الوصول إلى مناطق النظام ـ بسبب الحظر الأميركي بالدرجة الأولى، ويظهر أثر هذا الحظر في عدم تعاون دول الجوار "الصديقة" (العراق ولبنان رسمياً) مع النظام حتى هذه اللحظة، إضافة إلى زيادة الهجمات (غير معروفة المصدر) على القوافل المتجهة من مناطق سورية الديمقراطية إلى مناطق النظام، وقيام قوات قسد بحملة مكافحة التهريب لحصر التصدير بموردين معروفين من طرفها، إضافة إلى أن السواحل السورية لم تشهد وصول ناقلات نفط منذ حوالي ستة أشهر، واقتصار ما يصل على سفن شحن بأعداد قليلة.
وقد أدّى انتشار قوات النظام في مناطق مختلفة واستعماله للآليات العسكرية التي تحتاج لكميات كبيرة من الوقود إلى رفع كميات الوقود التي يحتاجها النظام، والتي يتم اقتطاعها بداية مما يصل إلى سورية من شحنات. 
ويناقش هذا التقرير جذور أزمة الوقود في سورية، وانعكاساتها وآثارها على المواطنين وعلى النظام نفسه، وكيف تعامل النظام مع أزمة الوقود الأخيرة، والسيناريوهات المتوقعة لهذه الأزمة. 
القسم الأول: أزمة الوقود في سورية: "قديمة وتتجدد" الأسباب والجذور
أولاً: سنوات من تهريب الوقود إلى لبنان 
في عام 2008 صدر المرسوم التشريعي رقم (42) القاضي بتشديد العقوبة على مهربي المازوت إلى لبنان لفترة سجن تصل لعشر سنوات ومصادرة الآليات المستعملة في التهريب(2)، كما نص المرسوم على معاقبة كل شخص يمتلك كميات من المحروقات تزيد عن استخدامه الطبيعي لها. رافق المرسوم سلسلة تخفيضات للدعم الحكومي، بما رفع الأسعار آنذاك إلى ثلاثة أضعاف تقريباً، حيث بلغ سعر لتر المازوت الواحد 25 ليرة سورية بعد أن كان أقل ثمان ليرات، كما رفع سعر البنزين إلى 40 ليرة بعد أن كان أقل من ثلاثين ليرة بقليل(3).
على جانب آخر، وزّعت الحكومة على المواطنين بطاقة تموينية (ذكية) تُعطي الحق للأسرة بشراء عدد محدد من اللترات بسعر مخفض، كل ذلك في ظل اجراءات تخفيض الدعم الحكومي ورفع موارد الدولة، وترافق الأمر مع حملة كبيرة على حملات التهريب للمحروقات نحو لبنان، الأمر الذي كان مستمراً منذ سنوات طويلة دون أن يتوقف، بل اتخذت أشكالاً جديدة عبر كبار المقاولين المحسوبين على الدولة. ومن أبرز المهربين آنذاك كان الضابط أحمد عبد النبي(4)، الذي يمتلك كازية على طريق حمص-القصير، وكذلك آل شاليش، ومحافظ حمص السابق محمد إياد غزال، إضافة إلى صغار المهربين في كل القرى المحيطة بلبنان والذين يتعيشون على التهريب.
ورغم رفع الأسعار لمختلف أنواع المحروقات، إلا أن عام 2008 شهد أزمة محروقات جزئية على مستوى الغاز والمازوت والبنزين. وأدّى تحرير الأسعار إلى نتائج كارثية على مختلف القطاعات وخاصة قطاع الزراعة المدعوم من قبل الحكومة بـ 55 مليار ليرة سنوياً، يمثل دعم المحروقات 35 مليار ليرة منها، وهو ما فقده قطاع الزراعة، وجعله عرضة لهزات عنيفة في السنوات التي تلت عملية التحرير، بما أثر على الأمن الغذائي السوري بالمجمل، واستدعى إعادة تخفيض الأسعار مرة أخرى قبل 2010(5) .
بلغت كميات التهريب المقدرة من سورية خلال عام 2008 حوالي مليار ونصف لتر من المازوت، أي ماقيمته سنوياً حوالي أربعمئة مليار ليرة سورية(6)  (أقل من مليار دولار بقليل).
استمرت عمليات التهريب بعد عام 2011 بشكل أكبر إلى لبنان، حيث دخل مهربون جدد إلى عالم التهريب، وظلت عمليات التهريب بازدياد خاصة بعد سيطرة حزب الله على معظم المناطق الحدودية مع سورية، حيث لعب محسوبون على الحزب دوراً كبيراً في عملية التهريب(7) ، ووصل تهريب الوقود من سورية للتداول في البرلمان اللبناني وفي أروقة صنع القرار في لبنان، حيث قال وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني إن مليون لتر من البنزين تدخل لبنان عبر سورية يومياً (تصريح تويني عام 2018) وقال مارون شماس أن كميات كبيرة من المازوت تدخل يومياً إلى لبنان ولكن النوعية رديئة، وقدرتها صحيفة الجمهورية بحوالي مليون لتر يومياً(8) ، ولم يستطع لبنان ضبط الحدود أمام هذه العملية التي تفقده موارد كبيرة يجب أن تأتي للخزينة نتيجة الضرائب على المحروقات المستوردة بشكل نظامي، لأن المهربين في السنوات الأخيرة محسوبين على حزب الله أو يعملون بغطائه.
ثانياً: أسلوب توزيع المحروقات
اعتمدت الحكومة قبل عام 2011 في توزيع المحروقات على "الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية"، وهي شركة حكومية، والتي كانت تقوم ببيع المحروقات لمحطات الوقود ومراكز بيع الغاز أو عبر مراكزها المنتشرة في مختلف المناطق. وبعد عام 2011 وبسبب الواقع المفروض على الأرض ودخول مجموعات جديدة تعتبر نفسها "الدولة"، فيما عرف بظاهرة "نحن الدولة"، اعتمدت الحكومة على المجموعات المحلية والمخاتير والوجهاء المحليين في عملية التوزيع، لسببين رئيسيين:
1- عدم أمان الطرقات بالمطلق، بما يمنع نقل كميات من المحروقات تساوي ذهباً عند بعض المجموعات، فعلى سبيل المثال لا الحصر، سيطرت مجموعة العقيد محمد أبو الزين المتموضعة على تحويلة دمشق-طرطوس على قوافل نفطية أكثر من مرة، وفي 2017 اضطر فرع أمن الدولة للتدخل لفك حصار القافلة التي كانت متجهة لمصفاة حمص، وبالتالي صار لابد من تأمين هذه القوافل بواسطة قوات عسكرية، وتحصل هذه القوات نفسها على أجرها بكمية من المحروقات المنقولة أياً كان شكلها.
2- أسلوب الترضية الذي تمنحه الحكومة للوجهاء المحليين وتطبيق مبدأ الولاء مقابل الامتيازات، فهي تعطي حق الاشراف على توزيع المحروقات للمخاتير أو الوجهاء الذين يأخذون بدورهم كمية من هذه المحروقات.
ففي حالة تأتي كمثال واضح على ما ذكر أعلاه، وصل إلى أحد أحياء دمشق في شهر شباط/فبراير 2019 مائتا جرة غاز على ثلاث دفعات، حصل الشبيحة على نصفها وحصل وجهاء محليون على ربع الكمية، وبقي ربع الكمية تقريباً لبقية السكان.
ثالثاً: مشاكل انتاج النفط لدى نظام الأسد
نتيجة الصراع الحاصل في سورية خرجت مناطق مختلفة من يد النظام، بما فيها مناطق النفط والغاز الأغنى في سورية، وقد سيطرت داعش على معظم هذه الأراضي لعدة سنوات، إلا أنها ظلت ملتزمة بتقديم النفط والغاز لصالح الأسد، وأعطت حق إدارة هذه المؤسسات لمهندسي الأسد الذين بقوا حتى لحظات متأخرة في أماكنهم يتقاضون راتباً من النظام وآخر من داعش(9) ، مع هذا لم تبقَ الحقول بنفس قدرتها الانتاجية السابقة، ولم تتجه كل المخرجات الإنتاجية نحو النظام فقط. 
تمتعَ النظام بعلاقة جيدة مع تنظيم داعش من حيث تدفق النفط، وتولت ميليشيا قاطرجي عمليات النقل، كما لم ينقطع هذا التوريد بعد سيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد) على حقول شرق الفرات أواخر 2017، واستمرت هذه القوات بتوريد النفط بنفس الآليات القديمة نحو مناطق النظام(10)
وشهدت الفترة الانتقالية التي فصلت بين سيطرة تنظيم داعش على حقول النفط وانتقالها وتشغيلها من قبل قسد، أزمة وقود واضحة في مناطق النظام، حيث توقفت السيارات في الطرقات، واضطر المواطنون لدفع مبالغ أكبر للحصول على المازوت من السوق السوداء، إلا أن الأمر سرعان ما عاد كما كان، ولا يزال النظام يستورد حتى نيسان/أبريل النفط من مناطق "قسد" (11)
إلا أن توريد النفط لم يكن في المستوى ذاته منذ سيطرة قسد وحتى الآن، حيث يحصل النظام عادة على حوالي مائة وعشرين صهريجاً يومياً من هذه المناطق بطرق غير رسمية وأخرى شبه رسمية، الأمر الذي يسد جزءاً من حاجته. إلا أن زيادة كمية الاستجرار في الأشهر الأولى من العام الجاري بصور غير رسمية إلى نحو مائتين أدى إلى نقص العرض المتوفر في مناطق سيطرة قسد، الأمر الذي دفع الإدارة الذاتية للبدء بخطوات في نهاية النصف الآول من آذار/مارس لمكافحة التهريب والاستجرار الزائد فوق الكمية المخصصة. أدّى وقف التهريب إلى خفض الكميات من جديد إلى قرابة مائة صهريج يومياً ابتداء من النصف الثاني من آذار/مارس. 
كما تعرّضت صهاريج قادمة من العراق ومن مناطق الإدارة الذاتية إلى مناطق النظام للاختطاف أكثر من مرة خلال الشهر الماضي في ريف دير الزور الشمالي(12) ، مما يعني أن هذه الكميات متذبذبة وليست مستمرة، ولا يمكن الاعتماد عليها دائماً، كما أنه من المرجح أن تزيد عمليات الخطف والاستهداف لهذه القوافل.
رابعاً: تعثر الاستيراد من خارج سورية 
أصدر رئيس الوزراء السوري في عام 2017 قراراً يقضي بالسماح للصناعيين باستيراد المحروقات من لبنان بشكل مباشر، بحيث يسمح هذا القرار بإعطاء مبرر لوجود كميات النفط الواردة من تنظيم داعش، إلا أن وزارة الاقتصاد اللبنانية أصدرت قراراً خلال أقل من شهرين من صدور القرار السوري بعدم السماح بتصدير المحروقات إلى سورية.
ولم تتمكن دمشق من الاعتماد على النفط العراقي كبديل، كما توقفت شحنات النفط العراقية القليلة أصلاً أكثر من مرة، كما أعلنت حكومة النظام أنها حاولت الحصول على إذن من الحكومة المصرية للسماح بمرور شحنات النفط إلى سورية عبر قناة السويس، "ولكن دون جدوى" بحسب تصريح لرئيس الحكومة السورية في 9 نيسان/أبريل 2019(13)، إلا أن الحكومة المصرية نفت في اليوم التالي للتصريح أنها منعت أي شحنات لسورية(14) . 
كما صرحت شخصيات مقربة من النظام أن أميركا دمرت ناقلات نفط كانت متجهة للنظام(15) ، الأمر الذي أكدته مصادر أخرى أن ناقلة نفط روسية تعرضت لحادث انفجار في البحر أثناء ذهابها لسورية(16) ، كما ذكر موقع سبوتنك الروسي أن قوات أمريكية دمّرت ناقلة نفط تركية كانت في طريقها لسورية(17)
ورغم عدم قدرتنا على التأكد من أخبار استهداف ناقلات النفط، إلا أن الحكومة الأمريكية أصدرت قراراً في نهاية آذار/مارس(18)  يُحذّر من نقل النفط إلى مناطق النظام السوري، الأمر الذي يُؤكّد استخدامَ الولايات المتحدة لأدواتها القانونية والسياسية على الأقل لمنع وصول النفط. 
يُذكر أن آخر ناقلتا نفط وصلتا السواحل السورية كانت روسية المنشأ، وكان وصولهما إلى ميناء طرطوس في شهر تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي. ويبدو أن وصول الناقلتين لميناء طرطوس يعني أن الشحنات التي على متنهما كانتا مخصصتين لصالح نقطة التسهيلات الروسية، إذ أن الأصل هو أن ترسو نواقل النفط في ميناء اللاذقية لا طرطوس.
 
القسم الثاني: انعكاسات الأزمة وأثارها
أولاً: الأثر على النظام وأجهزته 
يعد النظام المتأثر الأساسي من الأزمة، باعتباره المتحمل للعبء الاقتصادي والسياسي للأزمة، إلا أن قدرته على الصمود للحد من الأضرار تفوق بكثير قدرة المجتمع المحلي. 
ويتلخّص تأثير الأزمة على النظام من ثلاثة جوانب: 
الأول: حاجته الملحّة للوقود بشكل كبير لتلبية احتياجات آلياته العسكرية، والتي تستهلك الوقود بشكل كبير جداً مقارنة بالمركبات الاعتيادية، وتحتاج لقطع مسافات كبيرة بشكل مستمر. ويضاف إلى ذلك حاجة الأجهزة الأمنية لتحريك مركباتها دون انقطاع. 
الثاني: تأثير الوقود على حالة الاستقرار في مناطقه، حيث أدّت أزمة الوقود إلى المس بشكل مباشر باحتياجات السكان المتواجدين تحت سيطرته، وبالتالي إضعاف صورة النظام أمامهم، وتأليبهم على النظام، وإشعارهم بوهمية "الانتصار" الذي يتحدّث عنه. ووصلت مظاهر الغضب الشعبي إلى داخل الحاضنة المؤيدة للنظام، والتي بدأت تشعر بعجز النظام عن تلبية مستلزماتها المعيشية البسيطة. 
الثالث: الضغط الذي تُسببه الأزمة على المستوى السياسي، إذ يشعر النظام بعجز حليفه الإيراني عن تأمين مخرج من الأزمة، وحاجته لتقديم تنازلات أكبر للغرب ولروسيا في آن معاً، وتحول خياره للتحالف مع إيران إلى عبء حقيقي، بعد أن أصبح ساحة لتصفية الحسابات الغربية مع طهران.
ثانياً: الأثر على الخدمات الرئيسية
صرح وزير الكهرباء في حكومة النظام أواخر العام الماضي أن الكهرباء ستعود إلى ما كانت عليه قبل 2011 ولكن الأمر متوقف على توافر مزيد من الطاقة. وقد بقيت ساعات التقنين في تزايد، ويتوقع أن يستمر الانقطاع بزيادات مستمرة في الفترة القادمة، كما يتوقع ارتفاعاً في أسعارها، بما يدفع المواطنين أكثر نحو الاعتماد على المولدات الكهربائية.
وفي ظل الأزمة الراهنة فقد أصدر مجلس الوزراء قراراً للمرة الثانية خلال فترة قصيرة بتخفيض مخصصات القطاع العام وآلياته، مما يفضي حتماً إلى ضعف الكفاءة في العمل في معظم المؤسسات العامة.
ويُعتقد أن أزمة الوقود ستسبب تراجعاً إضافياً في كفاءة مختلف الخدمات الحكومية، من كهرباء ومياه واتصالات، حيث يلزم الوقود في هذه الخدمات بشكل مباشر.
ثالثاً: الأثر على المستهلكين
مع بدء شتاء السنة الجارية دخل سكان سورية في ضيق إضافي، فساعات التقنين لكهرباء المياه ازدادت، وشهدت البلد أزمة على مستوى المازوت، وتم توزيع القسائم لعدد قليل من السكان لا يكاد يتجاوز ثلث السكان وتأخر التوزيع للعوائل الإضافية، بواقع مائة لتر لكل أسرة أي بما يكفي لأقل من عشرين يوم استهلاك، كما فُقد الغاز خلال منذ منتصف شباط/فبراير وحتى نيسان/أبريل بشكل كبير، واصطفت سلاسل من البشر في دور الحصول على غاز الطبخ، ويبدو أن الأمر تفاقم أكثر مع قدوم الربيع.
وشهدت أسعار السلع الرئيسية في المحافظة تضخماً كبيراً، حيث وصلت أسعار اللحوم البيضاء إلى أكثر من خمسة آلاف ليرة (10 دولار)، والحمراء إلى حوالي 7000 ليرة (14 دولار)، والبطاطا إلى 500 ليرة (دولار واحد) والفاصولياء 1000 ليرة (دولاران)، وبما يزيد عن دولار واحد لكل كيلو تقريباً من بقية الخضروات، وأصبح متوسط أسعار الفواكه دولاران للكيلو، علماً أن متوسط الدخل في سورية لا يزيد عن 70$(19) .
ويُرجح أن ترتفع هذه الأسعار أكثر في الأيام المقبلة، لأسباب تتعلق بشكل أساسي بارتفاع المحروقات، مما يعني ارتفاع تكلفة النقل (خاصة في العاصمة دمشق، والتي ارتفعت أجرة التكسي فيها منذ منتصف آذار/مارس بأكثر من خمسين بالمائة). ويتوقع أن تشهد الشهور المقبلة ارتفاعاً في أسعار السلع الرئيسية بما لا يقل عن 50% من سعرها الحالي، خاصة مع قدوم شهر رمضان والتدهور الذي تشهده الليرة السورية.
رابعاً: أثر الأزمة على المنتجين 
غالباً ما يستطيع المنتج عكس ارتفاع تكلفة الانتاج على المستهلكين النهائيين، لكن الحكومة ربما تُجبر منتجي بعض السلع على إبقاء الأسعار عند حد معين يُحدده قرار رسمي، كعادة النظام في اتباع سياسة التسعير في مثل هذه الأوضاع، بما سيعني الحد من أرباح المنتجين، أو حتى الخسارة في بعض السلع.
وأبرز المنتجين الذين سيتأثرون بشكل كبير بالقرار هم المنتجين الزراعيين، حيث أن كلفة حصاد ونقل المحصول سترتفع بشكل كبير، مما يعني أن المزارع أمام خيار ترك المحصول دون حصاد أو بيعه بالسعر المحدد له، وبالتالي لن يعود للزراعة من جديد للموسم الذي يليه، كون الكلفة ستكون أعلى من السعر المحدد في السوق أو تكاد تساويها.
كما أن من المتوقع أن تتأثر الورشات الصغيرة التي تعتبر عماد الاقتصاد السوري حالياً، حيث أغلقت الكثير من المعامل الصغيرة في مدينة عدرا الصناعية (بشكل أولي ولساعات طويلة)، حيث تعتمد هذه المعامل والورش على المولدات بشكل رئيسي في تشغيل وتسيير أعمالها، كما أن فنادق اللاذقية وطرطوس كانت تعتمد على المولدات أيضاً بشكل كبير، وأصبحت تدخل في ساعات تقنين أكبر. كما أن توقف الورش الصغيرة، وخاصة ورشات الإصلاح التي كانت تعتمد بالدرجة الأولى على المولدات التي تعمل على البنزين أو المازوت في عمليات الاصلاح، يعني أن الجزء الأكبر من العاملين في هذه المهنة سيتوقف عملهم، إضافة إلى أغلب العاملين في قطاع النقل، هذا يعني ارتفاع جديد لمعدلات البطالة، والانخراط أكثر في أعمال السوق السوداء والتهريب وتأمين المواد بطرق غير شرعية.
خامساً: أثر الأزمة على القطاع الخارجي
ارتفعت أسعار السلع الرئيسية مقارنة بعام 2010 (كعام أساس) من تسعة إلى عشرة أضعاف. وفي ظل أزمة المحروقات، يتوقع أن يرتفع التضخم نحو المزيد ليتجه إلى زيادة لضعف إلى ضعفين جديدين ( أي أن الأسعار خلال الربع الثاني من العام الجاري ستبلغ حوالي 11 إلى 12 ضعف أسعار 2010).
أما في مجال الصادرات فإن أغلب الصادارت السورية الحالية هي منتجات الأنسجة والملابس الجاهزة، إضافة إلى بعض السلع الزراعية، حيث وصلت الصادرات عام 2016 بحسب رئيس الحكومة السورية إلى ما يساوي 650 مليون دولار، وهو الرقم الأقل منذ سنوات طويلة (انخفض 14مرة مقارنة مع صادرات عام 2010). 
ومن المتوقع أن تنعكس أزمة المحروقات على شكل كلفٍ في مدخلات الإنتاج، مما يعني أن السلع السورية ستصبح أغلى مما كانت عليه من قبل، وبالتالي فإن من المتوقع أن تنخفض الصادرات السورية لعام 2019 إلى ما دون 500 مليون دولار.
ويتأثر قطاع الواردات أصلاً بالعقوبات الدولية المفروضة على سورية. ويتوقع أن ينشط هذا القطاع عبر لبنان التي يمتلك بعض أطرافها علاقات جيدة مع النظام السوري، ويتوقع أن تنشط عمليات الاستيراد غير الرسمي عبر الحدود السورية-اللبنانية من أجل تغطية فروقات الأسعار الكبيرة التي تحصل حالياً في سورية، كما يتوقع أن يشكل العراق منفذاً جيداً في حالة الواردات غير رسمية، ويتوقع أن يتم الاعتماد بشكل كبير على تركيا (عبر الشمال السوري) والوسطاء الموجودين على مناطق التماس من أجل تغذية المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في مجالي الغذاء والألبسة. ويذكر أن النظام حارب سابقاً هذه المنتجات ولا يزال يعاقب عليها، إلا أن وسطاء الشمال السوري بدؤوا بتغيير الماركة التركية، واستبدالها بماركات سورية.
وتشكل تكلفة النقل عائقاً أساسياً أمام الاعتماد على السلع الإيرانية، علماً أنها انتشرت بشكل كبير في سورية.
 
القسم الثالث: أدوات النظام في مواجهة الأزمة
أولاً: قرارات الحكومة للتعامل مع الأزمة
بدأ النظام مطلع الشهر الراهن باتخاذ جملة من الاجراءات التي تبدو أنها تسكينية أكثر من كونها علاجية أو استراتيجية، ومن أبرزها قرار رئاسة الوزراء في 13/4/2019 السماح لغرف الصناعة باستيراد مادة الغاز براً من دول الجوار، وقرارها في 14/4/2019 تخفيض مخصصات المحروقات للمؤسسات الحكومية، وقرارها في 16/4/2019 تكليف وزير النفط والثروة المعدنية التنسيق مع وزير الإدارة المحلية والبيئة لتوزيع المشتقات النفطية على المحافظات بشكل عادل وبما يتناسب مع عدد السكان وحجم النشاط وخصوصية كل محافظة والفعاليات فيها.  
ويلاحظ من جملة القرارات المتخذة أن الحكومة ليس لديها استراتيجية لمواجهة الأزمة، ولكنها تحاول تخفيف آثارها، وطرق أبواب كل من الأردن ولبنان والعراق من أجل استيراد المحروقات والمواد الغذائية، حيث أعطت التجار الإذن باستخدام كامل الصلاحيات لاستيراد المحروقات والمواد الغذائية، كما سمحت للشركات غير المرخصة بالعمل بشكل مؤقت لمدة سنتين ونصف من أجل سد العجز.
ثانياً: الإعلام
تروّج الماكنة الإعلامية للنظام أن أزمة المحروقات هي جزء مما يسميه النظام وحلفاؤه بالحرب العالمية ضد النظام، وأنها مدفوعة بما يسمه "انتصاراته العسكرية والسياسية". وقد وصف بشار الجعفري ممثل سورية الدائم في الأمم المتحدة الإجراءات الأمريكية والأوروبية بأنها "إرهاب اقتصادي" يُضاف إلى "الإرهاب السياسي" الذي تُمارسه هذه الدول، بحسب وصفه(20)
ولكن يلاحظ في التعامل الإعلامي للنظام عدة مسائل جديدة لم تكن من قبل، أهمها:
• إطلاق برامج وحملات توعية في موضوع الحصار الاقتصادي، وبالتالي التعامل مع المسألة بوضوح على أنه حصار اقتصادي، وبأنه سيمتد لفترة طويلة. ومن الحملات التي تم إطلاقها: حملات ركوب الدراجات والترويج لها، وحملة "خدني بطريقك" للتشجيع على التعاون في مجال المواصلات. كما بثت الفضائية السورية برامجاً حول الأمر، كبرنامج عمق المشهد الذي خصص حلقة للحديث حول الموضوع، وعرضت حملات شبابية للتغلب على الأمر عن طريق ركوب الدراجة والخيل، وعُرضت برامج عن أهمية الخيل السوري وتاريخه، كما خصص برنامج صباح الخير فقرات عن ملامح الحرب الجديدة!.
• التعامل مع الأزمة بشكل مباشر وواضح، والتمهيد بإمكانية استمرار الأزمة لفترة طويلة، على خلاف عادة الإعلام الرسمي، والذي اعتاد على تجاهل المظاهر السلبية في المجتمع.
• مشاركة المؤسسات المدنية المساندة والسلطات المحلية في الحد من الغضب الشعبي الذي يواجه جموع المنتظرين في طوابير الغاز والبنزين، وأخذت بعض أشكال هذه المشاركة مظاهر كوميدية، كحملات تشجيع القراءة أثناء الانتظار في الطاور، وبرامج المسابقات للمنتظرين!.
• وتعكس تعليقات الجمهور المؤيد حالة من التململ تجاه الأوضاع الاقتصادية التي يعيشونها، والتي لا تتناسب مع الخطاب الذي يُقدّم لهم، والقائم على انتصار النظام، وسعي العالم لكسب ودّ النظام، والاعتذار عما مضى!.
ثالثاً: محاولة الاستيراد من دول ومناطق الجوار
التقى نظام الأسد مع وزراء من لبنان والعراق في الأشهر الأخيرة، كما جرت عدة زيارات إلى تلك المناطق من قبل تجار قريبين من النظام بغية السماح لهم بإدخال محروقات لمناطق النظام وفتح خطوط دائمة معهم، كما أصدر النظام كما رأينا أعلاه منظومة من القرارات تسمح للشركات المرخصة وغير المرخصة باستيراد المحروقات بمعرفتها وبالوسائل الممكنة كلها.
ودعت الكتل البرلمانية الممثلة للحشد الشعبي والمجموعات الأخرى المدعومة من إيران إلى توريد النفط إلى سورية، وقالت بأن "الحشد الشعبي والقوات الأمنية سيشاركان في تأمين وصول النفط الى سورية في حال تم الاتفاق على مساعدتها"(21) .
على جانب آخر يحاول وسطاء النظام نقل كميات من المحروقات من مناطق المعارضة ومناطق الإدارة الذاتية الكردية، ففي الشهر الأول من العام الجاري أمدت هيئة تحرير الشام مناطق النظام- عبر معابرها المفتوحة معه – بكميات من جرات الغاز من أجل استخدامات الوقود (حيث كان يعاني النظام من أزمة حقيقية في هذا الجانب)، واستمر الامداد من النصرة لأيام طويلة. ولم تكن الكميات كبيرة مقارنة بحاجة النظام، ولكنها سدت الحاجة بشكل مقبول(22) . ولا تزال فكرة إمداد النظام بكميات قليلة من جانب النصرة لا يزال احتمالاً مفتوحاً خاصة إذا ما تم دعمه من قوى اقليمية.
كما نجح النظام في استيراد المحروقات من تركيا عبر مناطق المعارضة في درع الفرات وغصن الزيتون من خلال المعبر المفتتح حديثاً (معبر أبو الزندين)، الأمر الذي استمر لفترة، وبكميات ليست كبيرة نسبياً، ولكنها مغرية من حيث السعر، مما استدعى دخول أكثر من طرف في هذه التجارة. إلا أن انكشاف عملية التصدير دفعت الجيش الوطني (القوة العسكرية المسيطرة على مناطق درع الفرات وعفرين) إلى إغلاق المعبر في وجهة المحروقات الذاهبة نحو مناطق النظام (23). ويستبعد في الوقت الراهن أن تعود عمليات التصدير بشكل رسمي مرة أخرى، إلا أن ذلك لا يمنع استمراره بطرق غير رسمية من هذه المناطق، بالتوازي مع احتمالية استمرار هيئة تحرير الشام بالتصدير من مناطق سيطرتها في إدلب. 
 
القسم الرابع: سيناريوهات الأزمة المتوقعة
السيناريو الأول: استمرار الأزمة على حالها
يعتمد النظام بشكل كبير على الكميات القليلة التي تصله من مناطق الإدارة الذاتية الكردية، وهي تُلبّي ربع حاجته على الأكثر. ولا يتوقع أن تقوم الإدارة الكردية بزيادة حجم النفط المصدّر للنظام، لاعتبارات تتعلق بطبيعة الانتاج بالدرجة الأولى وطبيعة العلاقات والسيطرة في المنطقة بالدرجة الثانية. 
ولن تكون كميات النقل من العراق ولبنان كبيرة، ولكنها ستستمر بالوصول يومياً على كل حال.
وفي حال لم ينجح النظام بتأمين المحروقات بكميات كافية، فإن الأسواق ستتعطل بشكل شبه تام وسترتفع الأسعار بشكل كبير لمختلف السلع والخدمات، كما أن شبكة الخدمات الحكومية ستتأثر بشكل كبير، إضافة إلى ذلك والأهم أن المنظومة العسكرية والأمنية ستتأثر تحركاتها بشكل كبير أيضاً.
وهذا السيناريو مرجح بشكل كبير في ظل قرار الولايات المتحدة بمعاقبة الأسد وحلفائه، وسعي الاتحاد الأوربي لفرض مزيد من القيود على حركة روسيا وإيران، والنظام السوري تبعاً لذلك، عن طريق عقوبات اقتصادية تطال أدواتهم في المنطقة.
وسوف يستمر هذا السيناريو إلى أن تقوم روسيا بالموافقة على اعتماد مقاربة جديدة للحل في سورية، تتخلى فيها عن فرض رؤيتها بالكامل، وتعمل بشكل جاد على تقليم أظافر شريكها الإيراني في سورية، وإدخال تعديلات فعلية على شكل النظام في دمشق، والحل السياسي الذي سيتم اعتماده هناك. 
السيناريو الثاني: بقاء الأزمة في حدود السيطرة
لا تزال السفن الإيرانية المحملة بالنفط تجوب البحار بحثاً عن المنفذ الأسلم للوصول إلى سورية، ففي تاريخ 19 نيسان/أبريل استطاعت ناقلة النفط الإيرانية (ستارك واحد) عبور قناة السويس لتقف في عرض البحر قبالة اليونان لساعات طويلة ثم اتجهت صوب ميناء أزمير في تركيا، ويتوقع أن وجهتها ميناء اللاذقية (24)، إلا أنها وخلال عدة أيام من المراقبة لم تتحرك من سواحل تركيا، ولا يوجد معلومات حول ما إذا كانت قد افرغت حمولتها أم لا(25) . وفي حال نجحت هذه السفينة في الوصول فربما تنجح غيرها، وبالتالي فإن الازمة ستعود للانفراج مرة أخرى. 
ولكن في ظل الظروف الراهنة وأسلوب التدفق فإن هذه الأزمة ستعود للظهور بعد فترة وهكذا، مما يعني أن الأزمة ستبقى مستمرة لكن بشكل متقطع، وستدفع المواطن والتاجر لإخفاء مزيد من الكميات، وبالتالي ستزيد الاستهلاكات، وسيصعب الحصول على المحروقات بسهولة؛ مما يعني حتماً ارتفاع الأسعار ومزيد من التذمر، ولكن هذا السيناريو مرتبط برغبة إيران باستمرار تقديم الدعم للأسد وبالتالي مزيد من الديون على الحكومة السورية.
كما أن القوى الداعمة للأسد في كل من العراق ولبنان ستدعم بكل تأكيد الأسد وستسعى لفك الحصار عنه، وربما تمرر له دفعات من الوقود بين الفترة والأخرى، ولكن هذا الدعم ما لم يكن بشكل رسمي لن يفي بالاحتياجات اللازمة، وسيبقي الأزمة في حدود السيطرة. 
وستعمل الواردات القادمة من لبنان والعراق وإيران على تغطية النقص الذي لا يتمكن النظام من تغطيته من التهريب والاستيراد من الإدارة الكردية ومناطق المعارضة. بما يُبقي الأزمة تحت السيطرة، خاصة في فصل الصيف الذي يقل فيه استهلاك المحروقات.  
السيناريو الثالث: تدفق المحروقات 
في حالة مستبعدة في الوقت الراهن ولكن ممكنة ولأسباب سياسية بحتة، من الممكن أن تتدفق المحروقات بشكل طبيعي إلى سورية، وهذا سيعني بكل تأكيد نهاية أزمة المحروقات، ولكن هذا السيناريو مرهون بحلول سياسية، حيث أن التدفق يتطلب القرار بالسماح بتدفق النفط، إضافة إلى توفر الأموال بالقطع الأجنبي التي لا يملكها النظام في الوقت الراهن.
ويمكن تطبيق هذا الأمر بشكل كبير عن طريق توريد العراق لسورية كميات كبيرة من النفط أو عبر السفن الإيرانية بدرجة أقل، كما يمكن أن يكون لبنان ممراً للنفط المستورد بدرجة أقل بكثير من الاحتمالات السابقة، ولكن إمكانية تأمين النفط لا تزال واردة. وفي هذه الحالة سيعود الأسد من جديد لترويج فكرة أنه انتصر في معركة جديدة. 
ولتحقيق هذا السيناريو، تحتاج روسيا إلى تقديم تنازل كبير للولايات المتحدة، أو يمكن أن يتم ذلك بتنازل مشابه من طرف النظام. 
 
خلاصة
تُمثّل أزمة الوقود التي يعيشها النظام حالياً نتيجة لعوامل مركبة ذات طبيعة سياسية، وترتبط بشكل رئيسي بالضغط الأمريكي على النظام وحلفائه، وخاصة الإيرانيين، بغية تقديم تنازلات فعلية بخصوص ملف الحل السياسي في سورية، والتواجد الإيراني هناك. 
ورغم القدرة النظرية لروسيا على حل الأزمة، باعتبارها ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم وقوة دولية معتبرة، إلا أنها لم تتدخل في حل الأزمة المُستشرية منذ أيلول/سبتمبر الماضي. ويبدو أن "موقفها المحايد" مستند إلى توافق روسي مع الغرب وإسرائيل، تقوم موسكو بموجبه بتجاهل العقوبات الغربية على النظام مقابل عدم المساس بأي من مصالحها في سورية، خاصة وأن الحصار الغربي على النفط والغاز الوارد إلى سورية يُحقق عدداً من المصالح الروسية، إذ يساعد موسكو في الضغط على إيران بصورة أكبر، ويدفع النظام لتقديم تنازلات إضافية لروسيا. 
وبطبيعة الحال فإنّ الحصار الغربي المفروض على الوقود الوارد إلى مناطق النظام لن يؤدّي إلى إسقاطه، لو تضاعفت درجاته عدّة مرات، إذا لم يسبق لأي حصار حقيقي أن أسقط أي نظام في العالم، ناهيك عن حصار محدود ومحدد، وسيقتصر مردود الحصار سياسياً على الحد من خيارات النظام وشريكه الإيراني، وتركهما تحت الضغط المستمر المؤدّي إلى تنازلات فعلية على المستويين السياسي والميداني. 
وكما في كل الحالات المشابهة، فإنّ المواطن العادي في سورية سيدفع الثمن الأكبر لمثل هذا النوع من الخطوات العقابية، يليه بدرجات متفاوتة قطاعات الأعمال والخدمات المختلفة. 
وسيساعد استمرار الأزمة في نمو أعمال شبكات المهربين في دول ومناطق السيطرة المجاورة، وهي شبكات قائمة أصلاً منذ سنوات الأزمة الأولى، وطوّرت خلال السنوات الماضية أدواتها. 
 
الهوامش
1- سيطرت هذه الميليشيات أكثر من مرة على قوافل نفطية قادمة للمصفاة براً، مما استدعى تدخل عسكري في العام 2017 من فرع أمن الدولة لاسترجاع القافلة.
2- المرسوم التشريعي 42 لعام 2008 القاضي بتحديد عقوبة تهريب مادة المازوت والمشتقات النفطية والمواد الأخرى المدعومة، مجلس الشعب، 4/8/2008 
3- للمزيد راجع: سورية ترفع أسعار البنزين، رويترز، 24/3/2008
4- أحمد عبد النبي ضابط في الجيش السوري، رفعه وقربه الأسد الأب، إثر وشايته برفاق له كانوا يخططون لانقلاب عسكري عام 1982.
5- الملفت للنظر هنا أن التهريب انخفض بشكل كبير من سورية إلى لبنان، وشهد لبنان أزمة محروقات كبيرة في شتاء عام 2009، ثم تم تخفيض الأسعار في سورية ليعود التهريب!!.
6- راجع تصريحات رئيس الوزراء في: 
سورية تجهد لمكافحة تهريب 1.5 مليار ليتر من المازوت المدعوم، صحيفة الأخبار،  
7- كانت هناك مجموعة لبنانية-سورية تعمل على الحدود بين البلدين قبل عام 2011، وكان يُطلق عليها اسم "مجموعة أبو هادي" (وأبو هادي سوري شيعي من قرى القصير)، وكان للمجموعة دور كبير في عمليات التهريب عبر الحدود آنذاك، وارتفع شأن المجموعة ودورها في التهريب بعد سيطرة حزب الله على القصير وريف حمص الغربي.
8- راجع تصريحات الوزير في: تهريب المحروقات من سورية: 10 الاف ليرة لجيوب أصحاب المحطات اللبنانية، النشرة، 8/6/2018 
9- اقرأ المزيد حول الموضوع في:
REVEALED: The oil middleman between the Syrian regime and ISIS, The Business Insider, 7/3/2015 
10- للمزيد اقرأ:
U.S.’s Syria Ally Supplies Oil to Assad’s Brokers, The Wall Street Journal, 8/2/2019 
11-  للمزيد راجع المصدر نيوز على الرابط: 
Syrian gov’t transports oil from SDF-held areas, Almsdar News, 10/4/2019 
12- قام مجهولون بالاستيلاء على صهاريج نفط تتبع لميليشيا القاطرجي على طريق الخرافي قادمة من حقل كونيكو إلى بانياس قبل عدة ايام، وهذه العملية الثانية خلال شهر، وفي شباط/فبراير جرى إطلاق نار على قوافل نفطية من قبل مجهولين.
13- خميس: مصر أوقفت مرور شحنات النفط إلى سورية عبر قناة السويس منذ 6 أشهر، سبوتنيك، 9/4/2019 
14- هيئة قناة السويس تنفى منع عبور السفن المحملة بالنفط لسورية، اليوم السابع، 10/4/2019 
15- راجع الفيديو لوسيم الأسد: على الرابط 
16- ذكرت صحيفة المدن عبر موقعها أن ناقلتي نفط احترقتا في اقليم القرن وأن الحكومة الأميركية أعلنت أنهما نقلتا الوقود بطريقة غير شرعية لسورية. انظر: أزمة الغاز: العقوبات على ناقلات النفط إلى سورية، صحيفة المدن، 24/1/2019 
17- خميس: مصر أوقفت مرور شحنات النفط إلى سورية عبر قناة السويس منذ 6 أشهر، سبوتنيك، 9/4/2019 
18- OFAC Advisory to the Maritime Petroleum Shipping Community، Department of The Treasury، 25/3/2019 
19- Munaff Koman, Syria’s Standard of Living Crisis, Chatham House, November 2018 
20- الجعفري: على تركيا الالتزام بإخراج التنظيمات الإرهابية من إدلب، روسيا اليوم، 26/4/2019
21- نحذر من قصف الصهاريج العراقية المتجهة الى سورية، قناة العالم، 28/4/2019 
22- خالد تركاوي، أزمة الغاز والأخلاق، رابطة العلماء السورين، 13/2/2019 
23- الجيش الوطني يوقف تهريب الوقود نحو مناطق النظام، بيان رسمي، زمان الوصل، 17/4/2019
24- يبدو أن السفينة تجري مناورة من أجل معرفة ردات الفعل للسفن الأميركية في حال وصلت إلى ميناء اللاذقية، وربما تتحرك خلال أيام نحو السواحل السورية، صرحت السفينة صباح اليوم أن وجهتها النهائية ميناء ألاجيا في تركيا لكنها لا تزال تقف بعيداً عن الميناء.
25- من خلال مراقبة حركة الموانئ السورية فإن عدة سفن شحن وصلت إلى كل من ميناء طرطوس وبانياس واللاذقية بأعداد سفينتين إلى ثلاث في كل مرفأ وهي سفن تجارية محملة بالبضائع.